التناقض المؤسّس لأمريكا وللإنسان الحديث.. الحرية ككذبة مؤسّسة.. تفكيك الجملة التى خدعت العالم

فوتوغرافيا: رالف جيبسون
فوتوغرافيا: رالف جيبسون


مصطفى قشننى

ليست مجرّد كلمات مُصطفّة على ورقٍ بالٍ، ليست مجرّد بيان سياسى انتحلته ثورة، ليست مجرد شعار ترفعه أمّة إنها أشبه بصرخة وجودية أطلقتها البشرية فى عصر التنوير، ثم ظلّت تتردّد أصداؤها عبر القرون، تتناقلها الأجيال، تتلاعب بها السلطات، وتحلم بها الشعوب تلك الجملة المسكوكة التى صاغها «توماس جيفرسون» بصياغة شعرية تكاد تكون صوفية، وصقلها بنجامين فرانكلين وجون آدامز، تحمل فى طياتها كل تناقضات الوجود البشري: بين المثالية والواقع، بين الحرية والعبودية، بين الوعد والخيانة:

«نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهى أن جميع البشر خُلقوا متساوين، وأن خالقهم منحهم حقوقًا غير قابلة للتصرف، ومن بينها الحياة والحرية والسعى وراء السعادة» هذه الكلمات التى يحتفل بها والتر إيزاكسون» فى كتابه الجديد «أعظم جملة مكتوبة» - الأكثر مبيعا حسب صحيفة نيويورك تايمز -، ليست مجرد نص تأسيسى لأمّة، بل هى مرآة ضخمة وضعت أمام وجه الإنسانية جمعاء.

إنها تُسائل كل نظام استبدادي، وتهزّ أسس كل ثيوقراطية، وتفضح كل عنصرية لكنها فى الوقت نفسه، تحمل فى أحشائها سمّ النفاق التاريخي، ذلك التناقض الصارخ بين قول المؤسّسين الأمريكيين وفعلهم، بين خطاب المساواة وممارسة العبودية، بين خطاب الحرية وإبادة السكان الأصليين.

إن عبقرية إيزاكسون فى تشريحه لهذه الجملة لا تكمن فقط فى تفكيكه اللغوى والفلسفي، بل فى قدرته على كشف ذلك الصراع الدرامى بين المبادئ والتطبيق إنه يقدم لنا الجملة ليس كحقيقة مطلقة، بل كحلم إنسانى لم يكتمل، كوعد لم يتحقق بالكامل، وكمعيار نقدى دائم لأى نظام سياسي. إنها ليست مجرّد جملة فى وثيقة تاريخية، بل هى مقياس أخلاقى يمكن أن نضع عليه كل سياسات الحكومات، كل قرارات القادة، كل ممارسات المجتمعات.

لكن السؤال الذى يظل يُطارحنا بإلحاح: كيف لجماعة من الرجال الذين كانوا يمتلكون العبيد، ويستعبدون بشراً، وينظرون إلى المرأة كمواطن من الدرجة الثانية، كيف لهؤلاء أن يكتبوا بأقلامهم أعظم بيان عن المساواة والحرية فى التاريخ؟ هذا هو التناقض المؤسّس لأمريكا، بل للإنسان الحديث كله إنه انعكاس لتلك الازدواجية التى نعيشها جميعاً: نحن قادرون على تصور المطلق الأخلاقي، لكننا عاجزون عن تطبيقه فى واقعنا. نحن نستطيع صياغة أسمى المبادئ، ثم نبحث عن ثغرات لتبرير انتهاكها.

إن كلمة «بديهية» فى الجملة تحمل تحدياً فلسفياً عميقاً فما يعتبر بديهياً فى ثقافة قد لا يكون كذلك فى ثقافة أخرى. ما يراه الأمريكى الأبيض فى القرن الثامن عشر بديهياً، لم يكن كذلك فى عيون الأفريقى المستعبد هذه «البديهية» المزعومة هى فى الحقيقة بناء ثقافي، منتج تاريخي، وليست حقيقة كونية. وهذا بالضبط ما يجعل الجملة ثورية: لأنها تطرح بديهيات جديدة، تخلق وعياً جديداً، تبنى واقعاً موازياً يتحدى الواقع القائم.

أما «المساواة» فليست مجرد مفهوم قانوني، بل هى رؤية وجودية للعلاقة بين البشر إنها نفى لجميع أشكال التفوّق العرقي، والطبقي، والديني لكنها أيضاً تطرح إشكالية عميقة: هل المساواة تعنى التماثل؟ أم تعنى العدالة فى توزيع الفرص؟ إن الجملة تترك هذا السؤال مفتوحاً، مما يسمح بتطور المفهوم عبر الزمن، من مجرّد مساواة شكلية أمام القانون، إلى مساواة فعلية فى الحقوق والكرامة.

كذلك مفهوم «الحقوق غير القابلة للتصرف» يحمل ثورة على كل أشكال السلطة. فإذا كانت الحقوق منحة من الخالق، وليست منحة من الحاكم، فإن هذا يجرّد السلطة السياسية من شرعتها المطلقة. إنه يضع حدوداً أمام الدولة، ويجعل من الفرد كائناً مقدساً لا يجوز المساس بحقوقه. هذه الفكرة كانت بمثابة زلزال هزّ عروش الملوك والطغاة عبر العالم.

لكن ربما أكثر المفاهيم إثارة للجدل هو «السعى وراء السعادة». إنه تحويل للسياسة من مجرد إدارة للموارد إلى فضاء لتحقيق الذات الإنسانية. إنه اعتراف بأن الإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي، بل هو كائن طموح، يحلم، يبحث عن معنى. لكن هذا المفهوم يحمل فى داخله بذور النزعة الفردية المفرطة، والاستهلاكية، والأنانية، التى أصبحت من سمات المجتمعات الرأسمالية الحديثة.

إن إيزاكسون، من خلال سير العظماء التى ألفها - من أينشتاين إلى جوبز، من فرانكلين إلى ماسك... - يدرك أن العظمة الحقيقية ليست فى الكمال، بل فى القدرة على تجاوز التناقضات جيفرسون العبقرى الذى صاغ أعظم جملة عن الحرية وهو يمتلك العبيد، ليس مجرد منافق، بل هو تجسيد لذلك الصراع الأبدى بين المثل العليا والضعف البشري.

اليوم، فى عصر الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والرقمنة الشاملة، تكتسب هذه الجملة أهمية جديدة. فحين يصبح بوسعنا «تصميم» بشر، أو خلق ذكاءات اصطناعية، فإن أسئلة المساواة، والحقوق غير القابلة للتصرف، والسعى وراء السعادة، تتحول من مجرد قضايا سياسية إلى أسئلة وجودية تمسّ جوهر الإنسان نفسه.

إن أعظم جملة كتبت على الإطلاق ليست نصاً مقدساً، بل هى مشروع إنسانى غير مُكتمل. هى ليست إجابة، بل هى سؤال دائم. هى ليست نهاية التاريخ، بل هى بداية لحوار لم ينته. إنها الوعد الذى لم يتحقق بعد، والسجن الذى لم نتخلص منه تماماً وفى هذا التناقض بالذات تكمن قوتها الخالدة، وقدرتها على استفزاز ضميرنا، وتحدى واقعنا.