أم الصابرين ...«ريهـام» تكفـلت بـذوى الهـمم بعد فقدان ابنها

ريهام السلينى
ريهام السلينى


قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب تتجدد حكايات الخير، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس.



اقرأ أيضًا| ذوي الهمم ومرضى الأورام أولى بها.. محافظ الوادي الجديد تحظر لافتات التهنئة


ليست كل الحكايات الإنسانية تروى من موقع القوة، فبعضها يولد من قلب الألم، ويكبر بالصبر، ويصير رسالة حياة.

فى أسيوط، حيث تتقاطع المعاناة مع الإصرار، تبرز تجربة ريهام السلينى، أم لم تتوقف عند حدود محنتها، بل اختارت أن تحولها إلى فعل عام، ومسار دعم، ومساحة أمان لذوى الهمم وأسرهم، لتصبح قصتها شهادة حية على أن الألم حين يُحتضن بالإيمان، يمكن أن يُنبت أملًا يتسع للجميع.

فى بيت هادئ بمحافظة أسيوط، تبدأ ريهام عبدالفتاح السلينى يومها كما اعتادت منذ سنوات طويلة؛ لا شىء يسبق خطواتها الأولى سوى قراءة الفاتحة على روح ابنها الغالى شريف، الذى كان طفلا من ذوى الهمم، لحظة صامتة، لكنها مشحونة بالمعنى، تستمد منها طاقة يوم كامل، وتواصل بها رحلة إنسانية بدأت من الألم، ولا تزال بالأمل.

ريهام المولودة فى الثانى من أكتوبر عام 1976، ليست مجرد اسم معروف فى العمل العام أو الخيرى، بل حالة إنسانية خاصة، تشكلت ملامحها عبر سنوات من الصبر، والتجربة، والانكسار، ثم النهوض من جديد، هى أم لطفلين من ذوى الهمم، وامرأة اختارت أن تحول محنتها الشخصية إلى رسالة عامة، وأن تجعل من اختلاف أبنائها بداية لا نهاية، لمساعدة مئات بل الآلاف النساء التى لها أبناء من ذوى الهمم ودعمهن وكانت النتيجة فرقا رياضية واستغلال مواهب ذوى الهمم ودفع طاقتهم إلى الأمام.

نشأت ريهام فى أسرة مصرية مكافحة، متوسطة الحال، لكنها غنية بالقيم والتعليم، بين أساتذة جامعات، وأطباء، ومهندسين، وضباط شرطة، ومدرسين، تشكّل وعيها الأول، وتعلّمت أن النجاح لا يقاس فقط بالمناصب، بل بالأثر، تلقت تعليمها بالكامل فى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة عمل والدها هناك، وكانت من أوائل الثانوية العامة، وكانت تحلم بالالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قبل أن يصر والدها على دخولها كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية لتبدأ أولى تضحياتها الكبرى مبكرًا حين تنازلت عن حلمها احترامًا لرغبته.

ومنذ صغرها كانت ريهام محاطة بالأطفال، تلتف حولها الضحكات الصغيرة فى أى تجمع، وتلفت انتباهها الشخصيات المؤثرة فى المجتمع، تحلم سرًا أن تكون واحدة منهم يومًا ما، لم تكن تعرف آنذاك أن الطريق سيأتيها قاسيًا، لكنه صادق. كانت فى الثالثة والعشرين من عمرها حين نطق الطبيب جملته الفاصلة «ابنك مختلف» لم تكن مجرد تشخيص طبى، بل إعلان بداية مشوار جديد، شريف، طفلها الأول، شُخص باضطراب التوحد، لتدخل ريهام عالمًا لم تختره، لكنها قررت أن تكون جديرة به، وبعد سنوات، تكرر المشهد مع ابنها الثانى على، ليزداد العبء، وتتعاظم المواجهة.

لم تكن الصعوبات فى المرض وحده، بل فى نظرة المجتمع، ورفضه، ونفوره، ومحاولاته الدائمة لوصم الاختلاف، واجهت ريهام ذلك كله بصبر كبير، وإيمان أعمق بحكمة الله وقدرته، متجاوزة كل مرحلة بأخرى، دون ادعاء بطولة، بل بإصرار أم لا تعرف الانكسار.

ومع الوقت، أدركت أن معركتها ليست فردية، وأن الألم الذى تعيشه تشترك فيه آلاف الأمهات، من هنا، بدأت رحلتها من الخاص إلى العام، ومن البيت إلى المجتمع، وأسست «جمعية دارنا للأشخاص ذوى الإعاقة وتنمية المجتمع»، لتكون مساحة آمنة، وبيتًا بديلًا، ودعمًا حقيقيًا لأسر ذوى الهمم لم يكن العمل الخيرى عند ريهام نشاطًا موسميًا أو لافتة إعلامية، بل ممارسة يومية، تعاملت بنفسها مع الأطفال داخل الجمعية، شاركت فى جلسات تعديل السلوك، وتنمية المهارات، وعلّمتهم النظافة الشخصية، وتحضير الطعام، وقدّمت نموذجًا عمليًا لمعنى الرعاية الحقيقية.

ومن خلال بروتوكول تعاون مع نادى أسيوط الرياضي، ساهمت فى إنشاء فرق رياضية لذوى الهمم فى السباحة، وكرة السلة، والبوتشي، ليحققوا بطولات محلية عبر مشاركتهم فى الأولمبياد الخاص، فى رسالة واضحة أن ذوى الهمم ليسوا عبئًا، بل طاقة كامنة تنتظر الفرصة كما نسّقت مع الجمعية النسائية بجامعة أسيوط لتسهيل إجراءات كشف التجنيد لذوى الهمم، رافعة عن كاهل الأسر عبئًا بيروقراطيًا طالما أرهقهم فى صمت.

لكن الأثر الأعمق لعمل ريهام لم يكن فى الأرقام أو البروتوكولات، بل فى البيوت المغلقة، والقلوب المنكسرة، أسر كثيرة كانت على وشك الانهيار بسبب وجود طفل من ذوى الهمم، وجدت فى تجربتها ضوءًا نقلت إليهم خبرتها، ونصائحها، وتجاربها الشخصية، لتزرع الأمل بدل اليأس، والإيمان بدل الخوف.

قالت نورة، والدة الطفل حمزة من ذوى الهمم، التى ساعدتها ضمن أمهات كثيرات، إنها عرفت معنى التضحية أثناء رؤيتها خلال عملها العام، عرفها المجتمع المحلى فى أسيوط كشخصية قيادية، طموحة، محبة للحياة، والعمل المجتمعي، بعيدة عن الادعاء، قريبة من الناس، فى حياتها الخاصة، دفعت ريهام ثمنًا شخصيًا باهظًا ابتعدت لفترات طويلة عن الأنشطة الاجتماعية، وكرست وقتها لتعليم أبنائها فى المنزل، خوفًا عليهم من مواقف سلبية قد تترك أثرًا نفسيًا عميقًا ومع ذلك، لم تفقد نظرتها المتفائلة للحياة، ولا إيمانها بالناس.

تؤمن بأن رسالتها إرث إنساني، يجب أن يُورث للأجيال القادمة، كما ورثت اسم عائلة قيادية، وتحملت مسئوليته، واليوم، أصبح اسم «ريهام السليني» فى أسيوط رمزًا تتمنى كثير من الأمهات والنساء أن يكن مثله، بكل تفاصيله.

حين تُسأل عما يمكن أن يتعلمه الناس من تجربتها، تجيب ببساطة: الصبر، والإرادة، والإيمان بأقدار الله أما حلمها الأكبر، فلا يزال جريئًا أن تكون يومًا مسئولة عن أمهات ذوى الهمم، ولا تتوانى لحظة أن تُعنى بحقوقهم، واحتياجاتهم، وأحلامهم المؤجلة.

وقالت سعاد أحمد، من أمهات ذوى الهمم، إن ريهام تقف فى كل ميدان للمدافعة والمطالبة بحقوق وتحسين حياة ذوى الهمم دون خوف؛ طلبًا لحياة أفضل لهم ولأمهاتهن اللاتى يتحملن معاناة يومية فى كل المجالات.

وهكذا، تتجاوز حكاية ريهام السلينى حدود التجربة الشخصية، لتتحول إلى نموذج إنسانى ملهم، يثبت أن الأمومة قد تكون رسالة عامة، وأن ذوى الهمم ليسوا عبئا على المجتمع، بل طاقة حقيقية حين تجد مَن يؤمن بها.