في عالم تتسارع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية وتُجتاحه التقلبات الجيوسياسية، لا شيء يُظهر التميز الفعلي للدول إلا قدرتها على الثبات أمام الرياح العاتية، في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بأعنف أزماتها فضلا عن حالة الفوضى التى تضرب بعض الدول، وتنزلق مجتمعاتها في أتون الحروب والصراعات الداخلية، تبدو مصر وكأنها نموذجًا منفصلًا عن هذا الاضطراب والارتباك والصدامات فبينما تتفجر الأزمات في منطقة الشرق الأوسط وتلتهب الأسواق العالمية، مصر تواصل تقدمها في مشاريعها القومية، وتُثبت أن الاستقرار الداخلي ليس مجرد حلم بل واقع يتم تحقيقه خطوة ..خطوة.
الحديث عن مصر اليوم لا يمكن أن يكون مجرد سرد للمشروعات أو الإعجاب بما يُنجز على أرض الواقع، وهو إعجاب فى محله، بل هو عن بناء قدرة اقتصادية واجتماعية ونظام سياسي يستطيع أن يواجه الأزمات الكبرى ويُحولها إلى فرص. الرئيس عبد الفتاح السيسي، في حديثه الأخير، بالأكاديمية العسكريه أكد بكل وضوح أن التهديدات الاقتصادية من حرب الشرق الأوسط لن تكون سببًا في انهيار الأسعار أو الاقتصاد المحلي، بل على العكس شدد على ضرورة أن تتخذ الحكومة خطوات حاسمة لحماية الاستقرار الداخلي، وهو ما تجسد في حديثه عن مكافحة التلاعب بالأسعار وأعلن عن إحالة المتلاعبين إلى القضاء العسكري في خطوة غير مسبوقة تؤكد أن مصر لن تسمح لأي جهة بأن تزعزع أمنها الداخلي أو تعيث فسادًا في أرض الوطن
لكن ما يثير الاهتمام هو أن هذا الخطاب يأتي في وقت دقيق جدًا، حيث يتصاعد الصراع في مناطق كثيرة من العالم، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، ويتزايد الحديث عن الحرب العالمية الثالثة، والتهديدات العسكرية، والتصعيد الاقتصادي وفي هذا السياق، اختار الرئيس السيسي أن يُظهر مرونة غير معتادة في مواجهة تحديات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، مع تركيزه على مستقبل مصر بعد الأزمة، وبالذات فيما يتعلق بأمنها الاقتصادي وحماية قيمها الوطنية، في الوقت الذي كان يمكن أن تقبع فيه مصر تحت ضغوط خارجية، تؤكد مصر مرة أخرى أنها قادرة على إدارة أزماتها السياسية والاقتصادية بعقلانية وثبات، مُظهرة بذلك قدرة القيادة على التوازن الاستراتيجي بين الحفاظ على الاستقرار المحلي والمشاركة في التفاعلات الإقليمية والدولية.
من المؤكد أن مصر، التي تقوم بتنفيذ مشروعات ضخمة في البنية التحتية، تعمل على بناء مستقبل بعيدًا عن الاعتماد على الأسواق العالمية أو على محاور التجارة التي قد تكون عرضة للتغيرات المفاجئة، في ظل الاضطرابات العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، لا يمكن تجاهل أن مصر تطور خططًا اقتصادية مرنة، مثل الاعتماد على الطاقات المتجددة، والزراعة المستدامة، وتحفيز الصناعة المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهذه كلها جوانب تُظهر القدرة الاستشرافية على المدى الطويل.
في هذا السياق، جاء تصريح الرئيس السيسي بشأن الجهود المصرية للوساطة في الأزمة الإقليمية ليُكمل صورة القيادة المصرية المتوازنة، التي تسعى دائمًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال دعم الحوار والضغط من أجل وقف التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي تسعى فيه معظم الدول الكبرى إلى دفع المنطقة نحو المزيد من الاستقطاب، تمضي مصر في طريقها باستمرار في تحقيق سياساتها المستقلة ولذلك فإن مصر لن تتردد في اتخاذ إجراءات قاسية ضد من يحاولون استغلال الظروف الصعبة لرفع الأسعار، ما يعكس حس المسؤولية والالتزام بحماية حقوق المواطنين حتى في الأوقات التي قد يضطر فيها البعض للتصرف بأنانية استغلالا للأزمات.
وبالحديث عن التحديات الكبرى، علينا أن نضع في الاعتبار أن مصر تدير التحديات بحذر ووفق مصالحها القومية، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات متنوعه داخلية و خارجية، الرئيس السيسي يدرك أن التحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط ستؤثر على المواطنين بشكل مباشر، ولكن ما يميز تصوره للأزمة هو الاستمرار في مشروعات التنمية، ورفع الكفاءة المؤسسية، وهو ما يعكس إيمانًا عميقًا أن الاقتصاد المصري سيبقى قويًا في ظل الجهود المستمرة للإصلاح الاقتصادي الداخلي.
إذن، بينما يزداد التصعيد في الخارج، تثبت مصر أنها قادرة على البقاء ثابتة في مواجهة العواصف، مدفوعة بالخطط الاستراتيجية التي لا تتوقف عند الظرف الراهن، بل تستشرف المستقبل، هذه السياسة لا تقتصر فقط على بناء بنية تحتية اقتصادية ضخمة، بل تمتد لتشمل القدرة على الحفاظ على استقرار داخلي قوي في وجه التحديات السياسية والاقتصادية.
في النهاية، يُظهر هذا النهج قوة الإدارة المصرية في تحقيق التوازن بين الاستقرار الداخلي، والمشاركة الفاعلة في الساحة الدولية، وحماية مصالحها الوطنية من التحولات المفاجئة في المشهد العالمي، وتظل كلمة السر فى الاتزان الاستراتيجي الذى تنتهجه القيادة السياسية

أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «17»
الأمين العام الجديد للجامعة العربية
استراحة أبو الغيط !





