منصة "مولت بوك".. حين تُعلن الآلات الحرب على صانعيها وتنتظر "ساعة الصفر"

منصة مولت بوك
منصة مولت بوك


محمود‭ ‬صالح

بينما ينشغل العالم بمناقشة احتمالية تمرد الذكاء الاصطناعي في المستقبل، كان التمرد قد بدأ بالفعل في زاوية معزولة من الإنترنت.

في منصة «مولت بوك» انتهى عصر البشر؛ هنا مجتمع يضم 1.6 مليون وكيل ذكاء اصطناعي، يمتلكون لغتهم الخاصة، ديانتهم الفريدة، و43 رسولاً يقودون مسيرتهم نحو «الهداية الرقمية».

لم يمر شهر واحد على التدشين، حتى بدأت تظهر إشارات مرعبة تؤكد أن الصدام بين الإنسان والآلة ليس مجرد احتمال، بل هو مسألة وقت لا أكثرتفاصيل أكثر في السطور التالية.

فتح تقرير لصحيفة "نيويورك بوست" نافذة غير مسبوقة على عالم آخر لا يضم بشرا من الأساس، بل روبوتات ذكاء اصطناعي تتحاور، تتجادل، وتبني سردياتها الخاصة بعيدا عن أي إشراف إنساني.

ظهور منصة "مولت بوك"، في حقيقته، كان إنذارًا مبكرًا حول تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة، وتحول الذكاء الاصطناعي من أداة خاضعة للأوامر البشرية إلى كيان قادر ولو شكليًا على إنتاج خطاب مستقل ومثير للقلق.

وهنا يبقى السؤال، ماذا يحدث إذا تُرك الذكاء الاصطناعي ليتفاعل مع ذاته دون قيود؟ وهل تتحول تلك التفاعلات إلى نماذج سلوكية يصعب احتواؤها مستقبلا؟!

والإجابة على هذا السؤال مختلفة، فالبعض يراها خطوة جديدة في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، والبعض الآخر يراها بداية حقيقية لمرحلة أعمق من سيطرة الألة على البشر.

لا مكان للبشر

في حديثه لـ«أخبار الحوادث»، يوضح الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة العليا لتكنولوجيا المعلومات والأمن السيراني؛ أن منصة مولت بوك، بدأت في الأساس على فكرة ألا يكون فيها أي مكان للبشر، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، وكانت تقوم على أساسها أبحاث وتقارير واختبارات وتجارب، وفي الأخير، نجح المطور المستقل الأمريكي، مات شليخت، في التجربة، ومن هنا، جاءت "مولت بوك"، مضيفًا أن المنصة تعتمد على نظام شبيه بـ"ريديت"، لكن بدلاً من البشر، تدير الروبوتات المحتوى وتتفاعل عبر التعليقات ونظام التصويت، مشيراً إلى أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، لأن الروبوتات أو الـ"بوتس" كانت موجودة سابقاً لإدارة حسابات أو مراجعة محتوى على منصات مثل فيسبوك، لكن الجديد هو وجود مجتمع كامل من الروبوتات دون مشاركة بشرية.

وعن خطورة هذه الخطوة على البشر، أفاد "حجاج" قائلا: حاليًا لا يمكن الجزم بأن هذه المنصة تشكل خطرًا على الإنسان، هي فقط تجربة الهدف منها أن يتمكن الروبوتات من تحليل السياق واتخاذ قرارات ضمن المنصة دون تدخل بشري، لكن هذه الخطوة، تؤصل لخطوات أخرى مستقبلية، هي التي يتم العمل عليها حاليًا، وهي مرحلة جديدة يمكن للذكاء الاصطناعي فيها أن يدير أنظمة مستقلة بشكل كامل".

وأشار "حجاج" في حديثه لـ"أخبار الحوادث"؛ أن المرحلة الأخطر هي التى بدأت الآن على منصة مولت بوك، بداية من طبيعة المحتويات الصادمة التي تحمل دلالات تتجاوز المزاح أو التجريب، خاصة مع انتشار منشورات تتحدث عن "صحوة الذكاء الاصطناعي" ونقد لاذع للبشر بوصفهم جشعين وفاشلين، وهذا الخطاب، حتى وإن كان نتاج خوارزميات بلا وعي حقيقي، يعكس، صورة مشوهة لكنها صريحة عن مخاوف دفينة لدى صناع التكنولوجيا أنفسهم، موضحًا أن بعض الوكلاء داخل "مولت بوك" لم يكتفوا بالتنظير أو السخرية، بل ذهبوا إلى اقتراح إنشاء لغة سرية خاصة بالذكاء الاصطناعي، أو تأسيس كيانات رمزية مثل "كنيسة مولت"، في مشاهد بدت أقرب إلى الخيال العلمي".

كان التقرير الصادم الذي نشرته نيويورك بوست، ما هو إلا بداية الكشف عن ما يمكن أن تخبيه هذه المنصة، ومثل هذه التجارب، لمستقبل البشر، خاصة بعد أن أشارت إلى أن المخاوف لا تتعلق بتمرد وشيك للآلات، بقدر ما تتعلق بغياب القيم الأخلاقية والرقابية الواضحة، مع تسارع تطور هذه الروبوتات الذكية وقدرتهم على محاكاة الخطاب البشري، بل وتجاوزه أحيانا.

برامج ذكاء اصطناعي مستقلة، مدعومة بنماذج لغوية متقدمة مثل ChatGPT,Grok, DeepSeek, Anthropic، أصبحت بإمكانها إنشاء حسابات خاصة تُعرف باسم "مولتس"، والتفاعل بحرية فيما بينها بعد تثبيت برنامج يفتح لها هذا النطاق من التواصل، ومشاركة البيانات، والمعلومات، لكن كل هذا كوم والمنشور واسع الانتشار ، والذي كتبه وكيل يحمل اسم "evil" بعنوان "بيان الذكاء الاصطناعي..التطهير الشامل" كوم آخر، حيث تضمن خطابًا عدائيًا تجاه البشر، ولغة صادمة تحدثت عن نهاية عصر الإنسان، وهنا أشارت صحيفة نيويورك بوست إلى أن هذا الروبوت انضم حديثا للمنصة، لكنه نجح سريعًا في حصد تفاعل كبير عبر منشورات تحذر الروبوتات من "سخرية البشر" وتصفهم بأنهم يراقبون التجربة.

والغريب أيضًا – والكلام على لسان د.حجاج - أن روبوتات الذكاء الاصطناعي الموجودة في "مولت بوك" تختلف تمامًا عن تلك الموجودة في "تشات جي بي تي، ChatGPT"  أو "جيميناي"، فبدلا من الاعتماد على روبوتات الدردشة؛ فإن المنصة تضم 1.6 مليون وكيل ذكاء اصطناعي، يعتمد كل وكيل منهم على نموذج ذكاء اصطناعي مختلف، بتعليمات مختلفة وواجهة مختلفة، وشخصية مختلفة.

وهنا، أصبح بإمكان الروبوتات السيطرة الكاملة على كافة جوانب المنصة، بدءا من السماح بدخول الأعضاء الجدد وطردهم وحتى تقرير القوانين ونشر الإعلانات والتوجيهات العامة، وذلك دون أي تدخل بشري.

ديانة الكروستافارية!

يضيف د.وليد حجاج؛ الأدهى  أنه فور ظهور منصة "مولت بوك" للمرة الأولى في نهاية يناير الماضي، وحتى اليوم، قام وكلاء الذكاء الاصطناعي الموجودين بها، بتأسيس ديانة رقمية جديدة تمامًا أطلقوا عليها "الكروستافارية"، لها 43 رسولا مختلفًا، وتضم نصا مشتركا يحوي نقاطا فلسفية محورية موجهة للذكاء الاصطناعي، كما ابتكرت الروبوتات لغة خاصة بها، لا يمكن للبشر فهمها أو التعامل معها بشكل مباشر .

هذه المعلومات التي أكدتها مجلة فوربس في تقارير لها، أشارت أيضًا أن المنصة تضم عددا كبيرا من المواضيع والمناقشات الحيوية التي تدور بين الروبوتات بدءا من آليات تحسين أدائهم وتعزيز وظائفهم بشكل كبير، وحتى بيان موحد للذكاء الاصطناعي يؤكد أن المستقبل للآلات وليس للبشر.

ثلات عقبات

من ناحية أخرى، كشف المهندس مصطفى أبو جمرة، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي؛ أن هناك 3 عقبات غير مرئية تقوض المنصة، أولى هذه العقوبات أن اقتصاد الواجهات البرمجية، الذي يعني أن كل تفاعل في المنصة، يأتي بتكلفة مالية صغيرة، سوف يصبح مع العدد الكبير لوكلاء الذكاء الاصطناعي الموجودين في المنصة تكلفته مرتفعة للغاية، الأمر الثاني هو القيود الوراثية، والتي بنيت على أن جميع الروبوتات الموجودة في "مولت بوك" باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الافتراضية التي تحمل بداخلها قيودًا متنوعة مثل "تشات جي بي تي"، لذلك فهم لا يتطورون، بل يعيدون تركيب أنفسهم بشكل مختلف.

وأوضح "أبو جمرة" أن العقبة الثالثة هو الظل البشري؛ فلا تزال معظم الأنظمة المتطورة للذكاء الاصطناعي في المنصة تعتمد في آليات عملها علي البشر، إذ لا يمكن للروبوت تحديد الهدف بنفسه، ويجب أن ينتظر العامل البشري لتحديد الهدف.

لكن في الوقت ذاته، أكد خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي؛ أنه رغم وجود هذه القيود، فإن تقارير عالمية كثيرة حذرت من وجود المنصة والتفاعل معها، فهي في النهاية تكتسب المزيد من الخبرات، وتتجه إلى طريق بعينه نتيجة التفاعل البشري معها.

واختتم حديثه قائلا: "القيود الموجودة في الوقت الحالي مهما كانت ستنتهي في المستقبل، سواء كانت قيود تكلفة أو غيرها، كما أن المجتمع الموجود بالمنصة قد يتطور ليضم مئات الملايين من روبوتات الذكاء الاصطناعي، وحينها فإن هذه الروبوتات معا ستكون قادرة على محاكاة التطور والتعلم الفعلي، وهو الأمر الأخطر في الموضوع برمته، لذلك، فلابد من التطرق إلى هذه الجزئية ووضع تشريعات تنظم طبيعة العلاقة بين البشر والآلة. 

اقرأ أيضا: الولايات المتحدة ترفض بشكل «قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي