د. حسين محمود
قرأت مؤخرا رواية بديعة بعنوان «بدون فصل أخير» لمؤلفتها الشابة (فى الأربعينيات من عمرها) طبيبة الأسنان الدكتورة سمر على، وأول ما خطر ببالى وأنا أتابع صفحات الرواية اسمان هامان فى تاريخ الرواية النسوية فى القرن العشرين، هما الإنجليزية فيرجينيا وولف والفرنسية من أصل روسى ناتالى ساروت، وكلتاهما أبدعتا صفحات جديدة فى فن الرواية بغض النظر عن نسويتهما.
الملفت فى عنوان الرواية، الصادرة عن دار ديوان، أنها بدون فصل أخير كما يشير العنوان، أى أنها رواية غير مكتملة الفصول، أو أن أحداثها متواصلة ومستمرة إلى ما لا نهاية، والنقص فيها من ملامح الرواية الجديدة التى تمس جوهر الفن، بما له من جماليات بغض النظر عن اكتمال أحداثها.
فصول الرواية مؤرخة، ولكنها ليست مرتبة ترتيبا زمنيا، وإنما مرتبطة بوعى اللحظة، وربما كان هذا ما ربطها فى ذهنى بفيرجينيا وولف التى ابتدعتت تقنية «تدفق الوعي» (مع جيمس جويس على ما أظن)، أما تأريخها فيحيل إلى تقنية أخرى هى اليوميات وما بين التأريخ وانعدام الترتيب الزمنى تفلت الرواية من أسر السيرة الذاتية وتدلف بقوة إلى رواية الشخصية.
ولولا موقف ناتالى المخزى من العدوان الثلاثى على مصر لربطت رواية سمر على أيضا مع التطوير الذى أدخلته على الرواية الفرنسية ولكن هذا الموقف المخزى، المرتبط بقوميتها الفرنسية المكتسبة، هو موقف مفكرين مصريين آخرين كانوا – ولا يزالوا – يعارضون موقف الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر فى تأميم القناة، وهم فى موفقهم هذا يؤيدون من حيث لا يدرون، وربما يدرون، رد الفعل الفرنسى البريطانى على قرار الرئيس المصري.
رغم أن آلان روب جرييه كان سابقا عليها فى تحديد ملامح الرواية الفرنسية الجديدة إلا أن التقاطع مع سمر على أقرب فى التشريح النفسى لشخصية نسائية، وكذلك الحال مع فيرجينيا وولف.
وما بين «زمكان» باختين (حيث أهمية الزمان فى الرواية مرتبط بما يوحى به المكان)، وتدفق الوعى عند فيرجينيا وولف وجيمس جويس، ومبادئ الرواية الجديدة، يمكن فهم الرواية.
فمن قراءة الرواية وتحليلها نستطيع الوقوف على مبادئ الرواية الجديدة، ونضع سمر على ممن طبقوا هذا المنهج فى كتاباتهم، ربما مع كاتب كبير آخر، هو إدوار الخراط فى روايته البديعة «ترابها زعفران». مع فروق كثيرة وكبيرة.
وطبقا لكتاب صدر مؤخرا من دار نشر جاليمار، جمع الناقد الفرنسى جان إيف تادييه الرسائل التى تبادلها رواد موجة «الرواية الجديدة» التى أحدثت ثورة فى الكتابة الروائية الفرنسية والعالمية، ورسخت مفهوماً جديداً للفن الروائى وتقنيات غير معهودة ورؤية فريدة إلى عناصر السرد كالشخصيات والأمكنة والزمن والحبكة والراوي.
حمل الكتاب عنوان «الرواية الجديدة - المراسلة». وصدر عن دار غاليمار، وضم رسائل تبادلها الروائيون الذين وسموا تاريخ الرواية الحديثة وهم: ميشال بوتور، وآلان روب جرييه، وكلود سيمون، وناتالى ساروت، وكلود مورياك، وكلود أولييه، وروبير بينجه، ويمكن مطالعة عرض لهذا الكتاب لانطوان أبو زيد نشرته جريدة الإندبندت العربية (الجمعة 20 أغسطس 2021 ) عرض فيه المبادئ الخمسة التى حددها هؤلاء الكتاب الكبار للرواية الجديدة والتى أحدثت ثورة «مفتوحة» عادت إلى الواجهة من جديد، ربما لحفز الكتاب الروائيين الجدد على إبداع روايات جديدة ونستطيع أن نضع «بدون فصل أخير». ضمن تلك الروايات التى أخذت بمعظم هذه المبادئ، أو كلها.
أول هذه المبادئ «رفض اعتماد الشخصية النموذجية التى جرى اتباعها فى الرواية التقليدية، والتى غالباً ما كانت تتميز باتساق فى سماتها وأبعادها، منذ ولادتها وحتى مماتها.
وهذا أمر قد ينافى مسار الشخصية الزمنى، فى تطورها وتحولاتها غير المحسوبة»، وقد انعكس هذا المبدأ على شخصية سلمى، بطلة الرواية، طبيبة الأسنان التى تعيش حياتين منفصمتين، واقعية سحرية، وواقعية الحلم، غير قادرة على تمييز ما هو حقيقى وما هو خيالى، تفعل كل ما يحلو لها، بغض النظر عن القوانين الاجتماعية والأخلاقية السائدة والتى يمكن لمن يتبعها أن يدخل فى عداد الشخصيات النموذجية أو المنمذجة سلمى المولودة فى مدريد والتى درست فى جامعة عين شمس، وعاشت حياة «الصعايدة» و«الفلاحين»و«القاهريين».
و«الأوروبيين»، وتبدو أحيانا متوافقة مع كل هذه الحيوات وتحن إليها، وتارة تبدو متصارعة معها، رافضة لها، رغم أنها تعلن ارتياحها إلى مسقط رأسها أكثر.
وثانى مبادئ الرواية الجديدة طبقا للمفهوم الفرنسى العائد إلى الحياة هو «رفضها وجهة نظر الرواى العليم بكل شيء، أى اعتبار الراوى، ناقل الأحداث والانطباعات، عالماً بكل شيء، وذا معارف موسوعية تخوله الحكم على كل ما يقع نظره عليه، واصفاً ومعلقاً». والراوى فى رواية سمر على هو المؤلف نفسه، وربما لا تكون يوميات حقيقية، أو سيرة ذاتية، رغم وضوح عناصر السيرة فيها، مثل التطابق بين شخصية المؤلفة كطبيبة أسنان، وأنها مولودة فى مدريد، ولكن عناصر الخيال والتخييل موجودة فيها بقوة.
ولا تدعى المؤلفة وهى تعبر عن نفسها فقط أنها عليمة بالحقيقة الكاملة سواء لشخصيتها أو للشخصيات الأخرى الموجودة فى الرواية، بما فى ذلك شخصية «جاسر». الذى تنتهى الرواية دون أن نعرف حقيقة علاقته بالبطلة، وكذلك شخصيات الخالات والجدات، وربما أيضا شخصية «نيرفانا». التى ربما تمثل «الأنا العليا». للبطلة، وربما أكثر من ذلك، لكننا لا نعلم ولا تعطينا المؤلفة أى تصريحات أخرى تفيد بأنها تعلم.
وثالث المبادئ «رفض... مفهوم الحبكة القصصية، على النحو الذى لطالما درج عليه الروائيون التقليديون، واعتبارهم أن الحكاية يمكن أن يرويها عديدٌ من الأشخاص، وبالتالى يمكن أن تخضع لتحويراتهم وسيناريوهاتهم المختلفة. ثم إنه ليس من حبكة، فى الواقع، تتبع مساراً خطياً أو مطرداً على النحو الذى تم تصوره نظرياً، من قبل الكتاب الكلاسيكيين»، وهو ما يتضح جليا فى عدم وجود حبكة فى رواية سمر على، وإنما هى تجميع لحكايات وقصص، تتداعى على ذاكرتها وهى تكتب الرواية، أو هكذا ما بدا، لأنه بالفعل يوجد خط روائى يمكن أن نسميه الحبكة الوهمية.
أما رابع المبادئ فيتعلق برفض الواقعية المعاصرة، أو محاكاة الواقع الأرسطية، ونقله بكل تجلياته إلى الرواية، والاكتفاء بالإيجاء ببعض العناصر الواقعية سعيا إلى تبديد العلاقة المباشرة مع الواقع. والحقيقة أن سمر على كانت فى روايتها حريصة على تبديد هذا التفاعل، فبعض الأحداث الواقعية التى تبدأ فى سردها لا تنتهى نهاية واقعية، وإنما يتداخل فيها الخيال والتهيؤات والنبوءات والحلم، حتى أننا فى نهاية الحكاية لا نعرف يقينا إن كانت قد وقعت أم لا.
وهناك الصدمات الواقعية مثل بعض الإشارات الإيروتيكية، وبعض السلوكيات التى ربما كانت واقعية ولكنها غير متصورة من قبل القارئ، مثل عادة تناول النبيذ والبيرة من الشخصيات التى لا ترتبط واقعيا بمثل هذا السلوكيات، والتى لا تشير الكاتبة إن كانت تتم سرا أم جهرا.
والمبدأ الخامس والأخير «أن الكتابة الروائية هى قيد التحقق، وليست تكراراً للتجارب الروائية السابقة، وهى البحث المتواصل عن الحساسيات الجديدة، التى لم يسبق أن تطرق إليها الأدب الروائي. وحسبُ هؤلاء الروائيين أن للرواية منطقاً خاصاً بها، وأنها تملك من ذاتها القدرة على التنامى من دون الحاجة إلى مؤلفها، وبغض النظر عن الخطة المسبقة التى تعد لإنجازها.
بالطبع، يمكن أن يُفهم من هذا المبدأ أن الرواية من حيث هى فن، يحسن بمؤلفيها أن ينأوا بها عن التوجهات الأيديولوجية أياً تكن، وألا يهتموا كثيراً لغدها، فهى تكفل غدها ومسارها».
واتصور أن هذا هو ما فعلته سمر على فى كتابة الرواية، وعنونتها يدل على أنها لم تضع مسبقا تصورا بنيويا لهيكلها، وأن منطق ترتيب المشاهد التصاعدى لم تكن له أية أهمية فى كتابتها، وأن الحساسيات الجمالية هى التى حكمت هذا النسق الخاص والجديد.
حسنا فعلت سمر على بتقديم نفسها على أنها من أتباع الرواية الحديثة، وحسنا فعلا أنها نسيت عن عمد اختتامها بفصل أخير: ربما لا تعرفه، وربما لم يحدث بعد، ولكن المؤكد أننا لم ولن نبحث عنه.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







