في السابق كثر الحديث عن المركز والأطراف في الثقافة العربية، ودائمًا ما انحصر المركز في عواصم مثل القاهرة وبيروت وبغداد، فيما صُنِّفت معظم العواصم الأخرى ضمن الهامش وجميعنا يتذكر الجملة الشهيرة: «القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ» وهي جملة عاشت طويلًا رغم اختزالها الشديد وإجحافها حتى في حق العواصم الثلاث المذكورة، أما بقية العواصم، فقد حُرِمَت حتى من أن تكون فضاءات قارئة.
لكن مؤخرًا لم تعد ثنائية المركز والأطراف معبرة عن واقع الحال، إذ تعددت المراكز عربيًا، وإن لم نتخلص تمامًا بعد من تهميش مناطق داخل البلد الواحد.
فالغالب على معظم الدول العربية، إن لم يكن كلها، توجيه جل الاهتمام إلى المدن الكبرى، وأحيانًا مدينة واحدة هي عاصمة الدولة، وإهمال الأقاليم.
هكذا تُحرَم مناطق شاسعة من المكتبات ودور النشر والأنشطة الثقافية ودور السينما والمسرح، وتتركز أغلبها في مدينة واحدة أو مدينتين في مصر، نعاني من انعدام التوازن هذا ونتعامل مع الثقافة والفنون كأنها امتياز جغرافي، خُلِقَت للقاهرة حصرًا، يليها الإسكندرية نسبيًا.
لا يعني هذا عدم وجود أنشطة ثقافية على الإطلاق في الأقاليم، لكنها تدين بوجودها في الغالب لمبادرات أهلية غير مدعومة ولا دائمة؛ إذ تنشط وتخبو اعتمادًا على حماس منظميها الذين يكافحون لإقامتها، في وقت تنغلق فيه أمامهم منشآت ثقافية موجودة بالفعل، لكنها مهجورة ومخنوقة بتعقيدات بيروقراطية لا تُحصَى.
قد يقول قائل إن منصات التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي قللا من تهميش الأطراف وأتاحا لأهلها المعرفة والتواصل مع العالم خارجها.
وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه لا ينفي انعدام العدالة الثقافية، فسكان القاهرة مثلًا يستفيدون مما تتيحه التقنيات الحديثة ووسائل التثقيف التقليدية على حد سواء.
فلماذا نعتبر أن من الطبيعي أن يتمتع المركز وحده بكل الإمكانات المتاحة ونطلب من الأطراف أن تعيش على الكفاف وتكتفي بالحد الأدنى؟
م.ع
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







