قضية ورأى

ثرثرة فارغة حول التجديد الدينى (٣/3)

د.حسن على
د.حسن على


كيف نطفئ الحريق، ونوقف العبث من كل من هب ودب. كيف نجسر الهوة بين إسلامى متكلس وعلمانى منفلت؟ لإطفاء هذا الحريق، نحتاج إلى منهجية نقدية منضبطة، تقوم على التفريق بين السنة وفهم القدماء أو المحدثين لها، فالسنة وحى وفهم الفقهاء لها قبل 1000 عام هو اجتهاد بشرى قد يتغير بتغير الزمان.

كما تقوم المنهجية المقترحة على «نقد المتن»: بدلاً من إنكار السنة، يجب تقوية المنهج الذى يرفض أى حديث (ظنى الثبوت) يصادم صريح القرآن أو الحقائق العلمية القطعية، وهو منهج استخدمه كبار العلماء قديماً ومتاح لمن لديه الوقت ليقرأ بعدالة وروح الباحث الموضوعى.

الاعتراف بالسياق ضرورى لفهم أسباب ورود الحديث وعدم التعامل معه كنص منفصل عن سياقه التاريخى والتعامل مع النص وفق سياق وروده، فهناك أحاديث «إخبارية» أو «سياسية» ارتبطت بزمانها ومكانها، وليست تشريعاً عابراً للزمان. وإذا كان الهدف من الدين هو «العدل» و«المصلحة»، فكيف نثير زوابع كل مرة حول الصيام وما إذا كان ملزمًا أو اختياريًا أو حول الحج ومشروعيته مع موسم الحج أو وجود بيت المقدس فى سيناء او الجزائر وليس فى القدس.. 

حماقات العلمانيين أمست كثيرة فى تناولهم للشأن الدينى والتشكيك فى السنة النبوية أو الصلوات الخمس..، هذه كلها حماقات لا اجتهاد نابع من درس وفهم ولو كان هؤلاء يريدون لفهم لذهبوا بمكتشفاتهم للمجامع العلمية داخل قاعات جامعية وتناقش بهدوء.

اللجوء للسوشيال ميديا وصنع زوابع وضباب يلف عقائد المسلم ليس من الحكمة فى شىء ولا من الوطنية ولا هدفه الحقيقة التى يبحث عنها كل من لديه بقية من عقل أو أثارة من علم.

خذ وللمرة الثانية أكرر موضوع ( المرأة مثلًا)... منع امرأة كفؤة من إدارة مؤسسة أو دولة ليس من الإسلام فى شىء، غير أن ثلة من محدودى المعرفة بعلوم الدين لا تفتأ تثرثر به، فمنع امرأة كفؤة لا يحقق العدل فى دين قوامه العدل (وإذا قلتم فاعدلوا)، ولا تتولى امرأة غير كفؤة القيادة يحقق العدل لمجرد أنها (امرأة)، لقد رأينا نساءً قدن دولاً (مثل ميركل أو تاتشر وأنديرا غاندى أو حتى فى التاريخ الإسلامى كشجرة الدر) وحققن نجاحات عجز عنها الرجال.

إذن الفلاح أو الفشل مرتبط بـ «الكفاءة والعدل»، وليس بـ «الجنس». فلماذا التشبث بحديث كان فيه النبى - يصف واقعاً سياسياً منهاراً فى فارس، ولم يكن يضع فيتو على تولى المرأة قيادة بلادها أو الارتقاء لمنصب هى أهل له.

ألا يقرأ التنويرى القرآن الكريم؟ وكيف قدم لنا نموذجاً لامرأة حاكمة فى غاية الرزانة والنجاح، «بلقيس ملكة سبأ»، وصفها بأنها كانت ديمقراطية (ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون)، وأنها أنقذت قومها بحكمتها من الهلاك فكيف يصيحون ويصرخون بأن الاسلام يحتقر المرأة؟، لا يمكن للسنة أن تصادم صريح القرآن. إذن الحديث الذى يلوكونه ليل نهار كان عن ابنة كسرى أى حالة خاصة وليس قاعدة عامة.. إننى أرجو أن ننظر فى تراثنا بموضوعية وعدل وحكمة بدلًا من صراع الديكة الذى لا يفيد أحدًا سوى القابعين على حدودنا الشرقية، يناوشوننا فى الجنوب والغرب والشمال بينما نحن نتشاجر حول قضايا عبثية.