فى كل مرة ترتفع فيها العصا يتجدد عهد غير مكتوب بين الماضى والحاضر، عهد يقول إن التراث الحى لا يموت، ما دام هناك من يحمله بفخر ويورّثه للأجيال، فى محافظة الأقصر، لا يكاد يخلو مولد أو احتفال شعبى من حلقة «تحطيب» يتحلق الجمهور وتتعالى الزغاريد، ويبدأ العرض الذى قد يستمر لساعات على أنغام المزمار البلدى.
اقرأ أيضًا| مستشفى أورام الأقصر تحتفل بوداع عام 2025 بأجواء من الفرح والدعم النفسي لمرضى السرطان
تبدأ الحلقة فى الاتساع مع أول نغمة للمزمار، رجال يجلسون فى دائرة، وأطفال يتسللون إلى الصفوف الأمامية، بينما يقف فى المنتصف رجلان يحمل كلٌ منهما عصاه بثبات، لا عداوة بينهما، ولا خصومة شخصية، بل مباراة تحكمها قواعد الشرف قبل قواعد الحركة. إنه التحطيب ذلك الفن الشعبى الذى وُلد فى عمق التاريخ المصري، ولا يزال ينبض بالحياة فى قرى ومدن الصعيد، محافظًا على مكانته كأحد أبرز رموز الهوية الثقافية التى يفهمها الجميع دون ترجمة.
التحطيب يعد من أقدم الرياضات التى عرفها العالم كما يقول الباحث الأثرى الطيب غريب، فهو رياضة فرعونية سجلتها الرسوم والمناظر والجداريات التى تمتلئ بها المقابر الفرعونية، خاصة فى طيبة القديمة أو مقابر بنى حسن فى المنيا، فالمصرى القديم حرص على تسجيل حياته اليومية وكل ما يتمناه ليعود إليه فى الحياة الأبدية أو حياة ما بعد الموت.
هذا الامتداد التاريخى لم يكن مجرد رواية شفهية، بل حقيقة وثقتها الشواهد الأثرية، ما جعل منظمة اليونسكو تُدرج التحطيب عام 2016 ضمن قائمة التراث الثقافى غير المادى للإنسانية اعترافًا بقيمته الحضارية والإنسانية.
التحطيب ليس مجرد تسلية، بل امتداد حى لذاكرة المكان وكأن العصا التى يحملها اللاعب اليوم تحمل أثر من حملها قبله، كما يقول رضوان منصور رضا أحد أبرز لاعبى العصا والذى توارثها عن والده وجده الذى عاش حياته يفخر بأنه هو الذى علم رشدى أباظة لعب العصايا عندما جاء ليمثل فيلم «صراع فى الوادى» وصارت صداقة بينهما فيما بعد.
اقرأ أيضًا| ختام مبهج لـ «الأقصر للتحطيب»
وتابع قائلا «عائلتى ضمن عائلات بالصعيد معروف عنها عشق هذه الرياضة المتوارثة عن الفراعنة، هناك عائلات تعرف بلعب العصا التى يجب أن نعترف بأنها رياضة عظيمة تشع فى النفس سعادة وحبا طالما تراعى فيها الأصول فقبل أن تتلامس العصى يؤدى اللاعبان تحية قصيرة بالعصا تبدأ بكلمة «سو»، هذه اللحظة الصغيرة تختصر فلسفة التحطيب كلها وهى الاحترام قبل المنافسة. فلا توجد خوذات أو واقيات، ومع ذلك نادرًا ما تحدث إصابة واللاعب الجيد لا يقيس نفسه بقوة الضربة، بل بقدرته على التحكم فيها».
فى التحطيب حتى الجمهور يشارك بالإيقاع، بالتصفيق أو الهتاف، فيتحول العرض إلى تجربة جماعية يشعر فيها الجميع أنهم داخل الحلقة ويحرص منظمو الفعاليات السياحية على إدراج التحطيب ضمن البرامج المقدمة للزائرين، باعتباره تجربة ثقافية أصيلة تعكس روح الصعيد الذين يؤكدون أن التحطيب «يمثل ذاكرة جماعية، فهو يجمع بين الأجيال ويعيد إحياء القيم القديمة فى إطار احتفالى معاصر».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







