قلوب تبنى وأيادى تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير، بعيدًا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثًا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسمًا، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرًا يبقى طويلًا فى قلوب وعقول الناس.
فى رحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، لم يكن العمل الخيرى لدى المهندس حسام القبانى، مؤسس جمعية الأورمان والرئيس الشرفى لها مدى الحياة، نشاطًا موازيًا لمسيرته المهنية، بل امتدادًا طبيعيًا لتنشئة أسرية راسخة جعلت من العطاء أسلوب حياة، ومن خدمة الإنسان هدفًا لا يقل أهمية عن النجاح الاقتصادى.
فمنذ تخرجه فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، دفعة 1978، متخصصًا فى الهندسة المعمارية، بدأ حياته العملية فى مجال العمارة لفترة قصيرة، قبل أن يتجه إلى العمل التجارى والصناعى، لا سيما فى قطاع الألومنيوم.
نشأ المهندس حسام فى بيت كان العمل الاجتماعى جزءًا أصيلًا من تفاصيله اليومية؛ فوالده، بعد تخرجه فى كلية العلوم، عمل مدرسًا، ثم أسس عام 1950 مدارس الأورمان الخاصة، التى لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل نواة لمشروع إنسانى واسع.
أسهمت هذه النشأة فى تشكيل وعى المهندس حسام القبانى تجاه العمل الخيرى، فبدأ التفكير مبكرًا فى إنشاء كيان منظم يخدم المجتمع، بإشراف والديه ومشاركة أشقائه.
وجاءت الخطوات الأولى متواضعة، حيث انصب الجهد على توفير مساعدات طبية عاجلة، وشراء أجهزة ومستلزمات ضرورية لدعم مستشفيات حكومية، من بينها قصر العينى وعين شمس التخصصى.
غير أن التحول الفارق فى مسار العمل الخيرى جاء فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، عقب زيارة قامت بها الأسرة إلى إحدى دور الأيتام، لم تكن الزيارة عابرة، بل شكلت شرارة حقيقية فمشهد الأطفال منذ أيامهم الأولى، إلى جانب أسلوب الإدارة القائم على الرعاية والاهتمام الإنسانى، ترك أثرًا عميقًا، لا سيما لدى والدة المهندس حسام، التى رأت أن الاكتفاء بالإعجاب لا يكفى، وأن التجربة تستحق أن تتحول إلى فعل مؤسسى، خاصة فى ظل ما تمتلكه الأسرة من خبرة متراكمة فى إدارة المؤسسات التعليمية.
وصدر القرار سريعًا من الأسرة بتحويل أحد المبانى المخصصة لإنشاء مدرسة فى إمبابة إلى دار أيتام، قبل أن يتم العدول عن الفكرة نظرًا لضخامة المبنى، وبعد محاولات عدة، تم شراء فيلا صغيرة بمنطقة الهرم، رغم محدودية الإمكانيات وقتها، واعتمد المشروع على تبرعات الأسرة وبعض المحيطين بها، إلى جانب مقاول آمن بالفكرة وشارك فى التنفيذ بأقل التكاليف.
ويصف المهندس حسام القبانى أن اللحظة الأصعب فى مسار التجربة كانت استلام أول دفعة من الأطفال، وعددهم 21 طفلًا، معظمهم فى أوضاع صحية متدهورة، قادمين من مرضعات غير مؤهلات، فى وقت كانت فيه أماكن الرعاية التابعة لوزارة الصحة غير كافية.
كانت تلك لحظة فاصلة، لم تترك مجالًا للتردد، ورسخت قناعة راسخة بأن المشروع لم يعد مجرد فكرة قابلة للتجربة، بل مسئولية إنسانية لا رجعة فيها.
ومع مرور الوقت، أثبتت التجربة نجاحها، وتوسعت لتشمل 7 دور أيتام، تنوعت بين دور للأطفال العاديين، وأخرى لذوى الاحتياجات الخاصة، للبنين والبنات، ولم يتوقف الدور عند الرعاية التقليدية، بل امتد ليشمل استقبال الأطفال مجهولى النسب، الذين يعانى كثير منهم من إعاقات شديدة، نتيجة ظروف ولادة قاسية وغير إنسانية.
ومع بلوغ الأطفال سن الثانية عشرة، برزت تحديات جديدة تتعلق بالمراحل العمرية والاختلاط داخل دور الرعاية، مما دفع القائمين على الجمعية إلى البحث عن بدائل أكثر ملاءمة.
ومن هنا، طرحت فكرة كفالة اليتيم داخل الأسر بدلًا من الإيواء الكامل، وجرى العمل على إعدادها فى إطار منضبط، بالتنسيق مع الأزهر الشريف ووزارة التضامن الاجتماعى ودار الإفتاء المصرية لضمان الأساس الشرعى والاجتماعى للفكرة، بما يحقق مصلحة الطفل قبل أى اعتبار آخر.
وحتى مطلع الألفية الجديدة، ظل العمل الخيرى قائمًا إلى حد كبير على الجهد الأسرى، وكان المهندس حسام القبانى هو المنفذ الحقيقى لمعظم مراحله، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة أكثر تنظيمًا، ففى عام 2003، انتقلت التجربة من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسى المنظم، عبر تشكيل مجلس إدارة، والاستعانة بكفاءات متخصصة من مهندسين وأطباء وخبراء فى مجالات متعددة، كان لهم دور محورى فى تطوير أداء الجمعية وتوسيع نطاقها.
وأضاف: «بدأنا بمشروع كشك اليتيم، حيث نقيم كشكًا للأم المعيلة، ونوفر لها البضاعة لتبدأ البيع والشراء وتنفق على أسرتها، نفذنا نحو 80 ألف كشك، أى أننا دعمنا فعليا 80 ألف أسرة».
وتابع أن الجمعية أطلقت كذلك مشروع «جاموسة العشر» لدعم المرأة المعيلة، موضحًا: «نسلم الجاموسة للسيدة لتأكل منها هى وأولادها، وتستفيد من إنتاجها، من دون أى مقابل مادى للجمعية»، مشيرًا إلى أن هذا المشروع حقق نجاحًا واضحًا فى نقل الأسر من دائرة الاحتياج إلى مرحلة الاكتفاء.
وقال محمود فؤاد، المدير التنفيذى لجمعية الأورمان، إن أكثر ما يميز المهندس حسام القبانى هو إيمانه العميق بالخير لذاته، وتقديم الخدمة الإنسانية دون حسابات تنافسية، حتى لو كانت لصالح مؤسسات أخرى.
وأضاف: «فى البداية، كان هذا الأمر يثير دهشتنا كفريق تنفيذى، كنا نتساءل كيف يقدّم رئيس مؤسسة كبيرة دعمًا لكيانات أخرى، لكننا مع الوقت أدركنا أن ما يفعله نابع من قناعة حقيقية، وأنه يرى الخير رسالة مشتركة لا مجال فيها للمنافسة».
وتابع فؤاد أن هذا النهج أسهم فى بناء علاقات إيجابية ممتدة مع مؤسسات أخرى، تحولت من علاقات عمل إلى روابط إنسانية وأسرية، قائلًا: «تعلمنا منه دقة المتابعة والالتزام الشديد، صحيح أنه محب للدعابة والضحك وخفيف الظل، لكن عند العمل الجاد لا يقبل أى تقصير أو خلل».
ومن جانبه، قال الدكتور المهندس طارق فتحى، الاستشارى الهندسى لمشروع مستشفى شفاء الأورمان، إن معرفته بالمهندس حسام القبانى تعود إلى سنوات الدراسة الإعدادية، مشيرًا إلى أن له صفات تميّزانه بوضوح تتمثل فى طبيعته الاجتماعية الاستثنائية، وقدرته الكبيرة على بناء الصداقات منذ اللقاء الأول، قائلًا إنه يعرف زملاءه فى مختلف مراحل التعليم، ولا يبالغ إذا قال إنه يعرف عائلاتهم وأقاربهم وحتى دوائرهم الاجتماعية القريبة.
أما الصفة التى يراها الأهم فى مسيرته المهنية أن القبانى لا يقحم علاقاته الشخصية أو العائلية فى العمل، ولا يختار شركاءه أو معاونيه على أساس الصداقة أو القرابة، بل يضع معيار الكفاءة وجودة النتائج فى المقدمة.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







