كنوز| هدية «العندليب» الرمضانية للأمة الإسلامية

حليم وابتهالاته الصوفية  --  عبد الفتاح مصطفى
حليم وابتهالاته الصوفية -- عبد الفتاح مصطفى


عندما تحل علينا أيام وليالى شهر رمضان الفضيل، تتسلل إلينا عبر الإذاعة وشاشات الفضائيات الابتهالات الدينية التى سجلها عندليب الغناء الأسمر عبد الحليم حافظ ليقدمها هدية لكل المسلمين فى كل مكان من العالم، فهو من كلف الشاعر الصوفى عبد الفتاح مصطفى بكتابتها، وأسند تلحينها لرفيق دربه الموسيقار محمد الموجى، ولم يتقاضِ عنها أجراً عندما سجلها للإذاعة، أعتبرها صدقة جارية، وكان فى مخططه أن يسجل 30 ابتهالاً تغطى أيام الشهر الكريم، لكن الشاعر عبد الفتاح مصطفى كتب منها 11 ابتهالًا فقط ولم يستكمل الباقى، وشكلت هذه الابتهالات ذخيرة حية تبثها الإذاعة فى كل رمضان، وقد صورها التليفزيون بما يترجم كلمات كل ابتهال بلقطات من الأفلام التسجيلية التى لم يظهر فيها العندليب الأسمر بشخصه، وتكشف الابتهالات الجانب الصوفى فى شخصية «حليم» ابن القرية المتدين بالفطرة والوراثة عن جده الشيخ شبانة إمام مسجد قرية «الحلوات» بمحافظة الشرقية الذى عُرف عند أهل قريته بأنه المقرئ الذى «تسكت له الطير» عندما يرتل آيات الذكر الحكيم.

لنسبح مع «العندليب» فى فضاء الأيام المباركة بابتهال «نفضت عينيا المنام» الذى يقول فيه: 

- «نفضت عينيا المنام.. وقمت والناس نيام.. وقفت ارتل كلامك.. أغلى وأحلى كلام.. اهدينى يا رب بالقرآن لما يرضيك.. خلينى أحبك وأحبب كل خلقك فيك».

ونسبح مع صوته الدافئ بابتهال «أنا من تراب» الذى يقول فيه: 

- «أنا من تراب.. والإرادة هى سرك فيه.. تنوره بحكمتك وبرحمتك تهديه.. تراب وسرك إذا مس التراب يحييه.. الهمنى حب الخير.. حب الجمال والحق خلينى أقول للشيطان مهما غوانى لأ.. علمنى أثبت ولو زال الجبل وانشق.. الهمنى يا رب.. يا ربى سبحانك». 

ونردد معه ابتهال «أدعوك يا سامع دعائى» الذى يقول فيه : 

- «يا رب اجعلنى صادق واقول الحق لو كان مر.. خلينى ما سمعش إلا صوت ضميرى الحر.. بسمة وعزيمة وعمل نافع ما يضر.. يا رب سبحانك».

ونشاركه التسبيح فى ابتهال «رحمتك فى النسيم» الذى يقول فيه: 

- «يا رب سبحانك ورحمتك فى النسيم والظل والميه.. وبتفيض ع الناس رأفة وحنية.. قدرة على كل شيء.. يا رب سبحانك».
وتعالوا لنستعيد معه ابتهال «بينى وبين الناس» الذى يقول فيه: 

- «بينى وبين الناس فى دنيتك أحوال.. وانت اللى عالم بضعفى يا ذا الجلال والكمال.. خلينى عبدك لوحدك لا عبد جاه ولا مال.. واحمينى من الحقد من نفسى ومن قالوا وقلنا وقال.. يا رب سبحانك». 

ويبتهل فى دعاء «ورق الشجر» قائلاً: 

- «ورق الشجر صفحات يا من كتب فيها.. خطوط رقيقة بتوصف قدرتك بيها.. عروق بتنبض حياة انت اللى محييها.. وكل روح معجزة تشهد بسر الله».

ويقول فى ابتهال «الحبة فى الأرض»: 

- «يا رب سبحانك.. والحبة فى الأرض اجعلها شجر وغصون.. والكلمة تنقال مدن تعمر وتعلى حصون.. وطفل يصبح بطل يحمى الحمى ويصون كل الوجود معجزة تشهد بسر الله». ويشدو العندليب بتبتلٍ وخشوع فى ابتهال «بين صحبة الورد» قائلاً: 

- «بين صحبة الورد شوف أجمل عيون وخدود.. حسان ومتجمعة فى مهرجان مشهود.. لون واعطر وندى ربنا المعبود.. كانت براعم وصحاها جمال الله».

أما ابتهال «يا خالق الزهرة» فيقول فيه: 

- «يا خالق الزهرة فى حضن الجبل.. من فوق لونها ومنظرها اَية للجمال والذوق.. تطلع وتدبل على دمع الأمل والشوق..لا يدرى بيها ولا يعلمها غير الله.. سبحانك يا ربى سبحانك».

وفى ابتهال «خلينى كلمة» يذوب العندليب رقة وخشوعاً عندما يقول: 

- «يا رب سبحانك.. خلينى كلمة تصحى الناس وتهديها.. خلينى رحمة تمس جراح وتشفيها.. خلينى بسمة تهنى قلوب وترضيها.. خلينى همة خلينى همة لكل عزيمة تحييها».

وفى ابتهال «على التوتة» ينشد العندليب: 

«ع التوتة والساقية ألمح كل يوم عصفور.. فرحان يغنى ويرقص للندى والنور.. يا رب سبحانك».

■■■

ويتكشف لنا الجانب الصوفى فى حياة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ من القصة التى رواها بعد تعافيه من مرض شديد شخصه الأطباء فى الكبد عام 1956، عندما سُئل عن سر الأيقونة التى يحتفظ بها للقديسة «سانت تريزا» فقال إنه رأى فى منامه سيدة نورانية تخبره أنه سوف يتجاوز أزمته الصحية ومرت بيدها على الجانب الذى يوجد به كبده وعندما سألها عن اسمها قالت اسمى «تريزا»، وفى الصباح أحس بزوال الألم وطلب من طبيبه إعادة التحاليل والأشعات التى أظهرت نتيجة مختلفة أذهلت الطبيب من تعافى الجزء المصاب فى الكبد واعتقد أنه أخطأ فى التشخيص، لكن عبد الحليم قال له: «أنا أعلم ما حدث»، وهذا يكشف سر اللوحة الرخامية التى تحتفظ بها كنيسة سانت تريزا بشبرا التى يوجه فيها الشكر قائلاً: «إلى روح القديسة الطاهرة، القديسة تريزا مع شكرى العميق، عبد الحليم حافظ 1957»، وفى منتصف 1976 تدهورت صحته فتوجه إلى المملكة العربية السعودية لأداء «العمرة» قبل وفاته بأشهر قليلة، وكان برفقته الشيخ جميل جلال «مطوف» الملوك والرؤساء، ومدير شرطة مدينة مكة المكرمة، وتصادف وقتها غسل الكعبة المشرفة فاعتبرها «حليم» نفحة ربانية أتته من حيث لا ينتظر، فدخل الكعبة وصلّى بأركانها الأربعة، ولما عاد للقاهرة قال لشقيقته: «أنا شفت حاجات حلوة بعد ما صليت فى الكعبة، بس مش هقدر أحكى لكم عنها»، واضطره المرض بعدها للسفر إلى لندن فى رحلة العلاج الأخيرة التى أسلم خلالها الروح لخالقه بعيداً عن الوطن.. عبد الحليم حى لا يموت ولا يمكن اختزاله فى كلمات لأنه أمير الحب الذى لا نستطيع أن نحيا بدونه أبداً... رحمك الله يا عبد الحليم، ستظل خالد الذكر فى قلوب محبيك.