مجدي أبو الخير يكتب : شكرًا يا الله على ترامب!

مجدي أبو الخير
مجدي أبو الخير


في الثالث من (يناير 2026م)، اختطفت أمريكا ترامب رئيسَ فنزويلا (نيكولاس مادورو) وزوجته من عقر داره في كاراكاس، بحجّة تآمره مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، غير أن حديث ترامب يوم اختطاف مادورو كشف عن نيّة أمريكا الحقيقية من تلك العملية؛ إذ دار حول نفط فنزويلا، وشركات بلاده التي ستعمل على استخراجه، فضلًا عن بيعه، وإدارة عائداته، وحديثه كذلك عن ملايين براميله إلى أمريكا، والتي بلغت ثمانين مليون برميل، كما ذكر في خطاب حالة الاتحاد (25 فبراير2026م).

واليوم، وبعد أقل من شهرين على اختطاف فنزويلا، رئيسًا ونفطًا، نرى أمريكا ترامب تشنّ وإسرائيل هجومًا منسقًا ومدمرًا ضد إيران (28 فبراير2026م)، وتقتل مرشدها الأعلي، ورأس نظامها (علي خامنئي)، ونخبة من قيادات الصف الأول، في محاولةّ باتت مفضوحة لاختطافها هي الأخرى، ثرواتٍ ومقدراتٍ وتركيعًا، كل ذلك تحت ذريعة تهديد برنامجيها، النووي والصاروخي، للوجود الإسرائيلي، وأمن أمريكا نفسها، وحتى أوروبا؛ الأمر الذي أثار دهشة الكثيرين: كيف يكون ذلك؟! هذا فضلًا عن ادعاء رفع الظلم عن الشعب الإيراني، والذي يتعرض للقمع، والقتل، وبتر الأيدي والأرجل لعقودٍ من الزمان، حسب زعم ترامب قُبيل ضربته بساعاتٍ، وإعلانه عن قرارٍ صعب قد اُتّخذ بالفعل لوقف ذلك. وادّعاء تحقيق الديمقراطية وحرية التعبير والاستقرار والرخاء للإيرانيين. وبعيدًا عن تفنيد تلك الدعاوى والادعاءات والشعارات الخادعة، والتي ثبت كذبها وزيفها واقعًا في العراق، مثالًا، وما يناقضها أيضًا في غزة والضفة. إلا أن ترامب قد صرّح في سياق حديثه هذا، والذي كان بمثابة إعلانه الحرب رسميًّا، أن إيران ليست بحاجةٍ إلى كل هذه الكمية من النفط.

إذن، ومن هذين التصريحينِ على لسان ترامب نفسه، يمكننا قراءة النيّة الحقيقية لاستباحة أمريكا لدولتينِ، تُصنّف إحداهما الأولى عالميًّا في احتياطي النفط بأكثر من (300) مليار برميل، وهي فنزويلا. بينما تُصنّف الأخرى كثالث احتياطي للنفط في العالم، بأكثر من(200) مليار برميل، وهي إيران. فضلًا عن مآرب آخرى إستراتيجية أوسع وأبعد تم قنصها بحجرٍ واحدٍ لصالح بلاده، وكيانه؛ لصالح بلاده بإعادة تموضعها في المنطقة، ومن ثم إحكام السيطرة عليها، وعلى ثرواتها أكثر وأكثر، وعن طيب خاطر أهلها، وفي قلبها النفط والغاز، هذا من جانب. ومن آخر رسالة خانقة ومباشرة بعلم الوصول لكلٍّ من الصين وروسيا. ولصالح كيانه، ورأس حربته في منطقتنا، بالقضاء على المشروع الفارسي التوسعي المُتوهم في منطقتنا، وإفساح المجال، وفتح الباب على مصراعيه، أمام إسرائيل لتحقيق مشروعها التوسعي المعلن، وبلوغ حلمها التوراتي -وفق رؤية الصهيونية وهاكابي- في المنطقة، بقيام دولتها الكبرى من النيل إلى الفرات.

وذلك بعد أن أدت إيران، وأذرعها، ربما عن قصدٍ منها أو عن غير قصدٍ، لكن ومن المؤكد عن قصدٍ وإدارة وتخطيط الصهيوأمريكية، في إنهاك وإضعاف دول المنطقة، وجعلها أكثر هشاشةً وفشلًا، ومن ثم تفكيكها وإساقطها؛ لبلوغ تلك الرؤية الأوسع والأشمل كليّةً.

من تصريح ترامب حول نفط فنزويلا وإيران، وحتى غيرهما، نكون بذلك أمام رجل ﻻ يتحلى بأدنى درجات الدهاء والمراوغة السياسية قدر ما تغلبه نفسه الطمّاعة فيما لدى الآخرين من ثرواتٍ؛ إذ يسيل لعابُه أمامها من فوره فلا يُحسن عندها فعلًا ولا قولًا؛ فيفتضح عندها أمره، وأمر بلده. الأمر الذي قد يختصر علينا كثيرًا من أساليب اللفّ والدوران، والانسياق وراء أكاذيبَ وادعاءاتٍ مكرورة، وكاذبة. سال لُعابه لاختطاف غزة بتحويلها منتجعًا سياحيًّا، وسال كذلك لاختطاف كندا وغرينلاند وبنما وكوبا وخليج المكسيك؛ فكانت تهديداته وتعريفاته الجمركية الأكثر وضوحًا في ذلك؛ ليكون ذلك تطبيقًا عمليًّا على شعاره (جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) على حساب ثروات وأراضي الآخرين، وإن كانوا حلفاء. أهان أوروبا والناتو حتى جعلهم يذرفون الدموع، ويعيدون ترتيب أوراقهم، وحساباتهم الدفاعية في دليلٍ عملي على فقدان الثقة بينهما.  

أهان الأمم المتحدة بمؤسساتها، وهيئاتها، في كل كلمةٍ له، منسحبًا من أغلبها في انقلابٍ مفضوحٍ لاختطاف العالم تحت قيادته منفردًا، ومجلس قدّه على مقاسه. انقلاب لطالما ردّده فريقه، بدءًا من نائبه جي دي فانس، ومرورًا بوزير خارجيته روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن (فبراير 2026م)، إذ ادّعى كذبًا عدم قدرة الأمم المتحدة على حلّ أزمة رهائن غزة، بينما أخذت أمريكا ذلك على عاتقها وحدها. بينما تناسى عن قصدٍ منه واستخفافٍ بالحضور أنه تمّ إطلاق سراحهم وفق اتفاق شرم الشيخ. هذا فضلًا عن إرادة دولية مجتمعة على إنهاء إبادة غزة لم يمنعها، ووقف حائلًا دونها، سوى الفيتو الأمريكي وحده نحو تسع مرّات. ضربت أمريكا بالقانون الدولي عرض الحائط؛ بتدخلها في الشئون الداخلية للدول. وفي تصويت مجلس نوابها في العاشر من (يناير2025م) على فرض عقوباتٍ على المحكمة الجنائية الدولية، احتجاجًا على إصدارها مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت لارتكابهما جرائم حرب وإبادة بحق الفلسطينيين. هذا القانون الدولي الذي يستحضرونه فقط لبلوغ أهدافهم وأطماعهم، بتموضع حشودهم -مثالًا- في المنطقة، وفي العالم، ومياهها الدولية بزعم حماية ممرات التجارة العالمية، وضمان حرية الملاحة، وفقًا لهذا القانون، بينما يدوسونه بنِعالهم إذا اصطدم بأهدافهم، وحال دون أطماعهم. 

يأسى ترامب لحال أسرى الكيان وقت إطلاق سراحهم رغم علامات النضارة عليهم، ولا يأسى لجروح وكسور وهزال أسرى الفلسطينيين المفرج عنهم، وعشرات الآلاف من شهدائهم، وتدمير كامل القطاع بنحو (85%)، حدّ توعده لهم يومًا بجحيمه، وتهجيرهم من أرضهم إلى غير رجعة. هدد بترحيل كل معادٍ لإسرائيل، ومنع تمويل حكومته الفيدرالية عن بعض جامعات أمريكا بالحجة ذاتها، في حين يعطي لنفسه الحق التدخل في إيران، وإسقاط نظامها بزعم قمعها المحجتين، وقتلها نحو(32) ألفًا منهم، حسب زعمه، وزعم مراكز أبحاثه هو يتماهى في ترويج الأكاذيب مع نتنياهو، ومندوبه الصهيوني (داني دانون) في مجلس الأمن، بوصف النظام الإيراني بالقاتل لشعبه. رغم مجازر إسرائيل بحق الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والسوريين والإيرانيين، وقتلها عشرات الفتيات، خِلاف الجرحى، جراء استهدافها لمدرسة بنات ابتدائية في مدينة ميناب، جنوبي إيران (29فبراير2026م)، مثلما استهدفت قبلُ مدرسة بحر البقر (أبريل1970م)، ومستشفى الشفاء بغزة (نوفمبر 2023م).

كل ذلك، وغيره دليل صارخ وواضح ليس على ازدواجية المعايير بل على بلطجة سياسية، وإمبريالية مقيتة، وشعارات خادعة كاذبة، تذكيها قوة عسكرية غاشمة.

من فورها أدانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيانٍ مشترك استهداف إيران لدول الجوار، وهو ﻻ شك مُدان، غير أنهم لم يدينوا عدوان أمريكا وإسرائيل عليها، وحقها في برنامج دفاعي يحفظ لها سيادتها ووجودها، مثلما تحتفظ إسرائيل بحقها في ذلك، ومثلما يحتفظون هم بذلك. بل، طالبها ماكرون فرنسا، أحد أضلع العدوان الثلاثي على مصر (1956م)، بالاستسلام، والتخلي عن برنامجيها، النووي والصاروخي، حتى تتوقف الحرب. ماكرون، والذي اتخذ بالأمس قرارًا بزيادة رءوس بلاده النووية؛ لتبقى فرنسا أبدًا حرّةً، يُخشى جانبها. وطالبها ميرتس مستشار ألمانيا بعدم المقاومة، ووقف هجماتها؛ في موقف مخزٍ ليس غريبًا عليهم. هذا فضلًا عن تحليق مقاتلات بريطانيا، ثاني أضلع العدوان الثلاثي على مصر، في المنطقة تحت زعم حماية مصالحها ورعاياها. كل ذلك، ويزيد، مما بات معلومًا للجميع. ورغم تأكيد مثل بريطانيا وفرنسا على عدم الانخراط عملياتيًّا في تلك الحرب إلا أن مفاجآتها وأحداثها المتسارعة والملتهبة قد ترغمهما على الانخراط فيها نُصرةً لأمريكا، وإنقاذًا لمصالحهم المشتركة معها في منطقتنا. وهو ما تأكد اليوم (2مارس2026م) بموافقة ستارمر على استخدام أمريكا للقواعد البريطانية في المنطقة في حربها ضد إيران. وإعلان ماكرون هو الآخر عن نشر مقاتلاتٍ ذات رؤوس نووية في المنطقة بزعم حماية الحلفاء. هؤلاء القوم جميعًا، ورغم اختلافهم فيما بينهم، إذا ما نهشوا في بعضهم بعضًا، إلا أنهم لا يتفقون علي شيء سوانا؛ ذهبت أمريكا، تجرّ بريطانيا، لغزو العراق (2003م)، دون تفويضٍ قانوني من مجلس الأمن، وعلى خلاف رغبة أوروبا والناتو، ورغم ذلك، وعندما دارت رحى الحرب، ونالت منهم قتلًا وأسرًا، صرخ أحد أعضاء البرلمان الأوروبي وقتها إلى نبذ الخلاف، وطرحه جانبًا، ودعم أمريكا الحضارة -حسب زعمه- في حربها.

بعد نحو شهرٍ على بداية فترة ترامب الثانية في (20 يناير2025م)، وخلال الجلسة الأولى لحكومته برئاسته في (فبراير2025م)، والتي بدأت بالصلاة، تلا أحد الواعظين قائلًا: "شكرًا لك يا الله على الرئيس ترامب". وإزاء هذا المتعجرف أراني، وفي تهكّمٍ لا حدّ له، أردّدُ مع ذلك الواعظ الأمريكي: شكرًا الله على ترامب. شكرًا عليه لكونه دليلًا على أنه مهما كانت رغبة رئيسُ أمريكا في السلام، وأيديولوجيته وقناعته الشخصية في رفض الحروب إلا أن هناك قوةً ما، ربما كانت حبيسة أدراج مكتبه البيضاوي، تدفعه رغمًا عنه إليها. شكرًا عليه لكونه ليس استثناءً من رؤساء أمريكا، وذلك بحديثه الكاذب الخادع عن إنهائه ثماني حروب، ومن ثم إلحاحه السمج في أحقيته بنوبل للسلام، وحديثه دومًا أنه لو كان رئيسًا لما اندلعت حرب كذا وكذا، غير أنه بإشعاله حربًا، لا يمكن التكهن بحدودها، وآثارها المدمرة، مع إيران، دليلٌ على أنه مثلُ أسلافه، مثيري الفتن، ومشعلي الحروب.

شكرًا عليه لكونه دليلًا قاطعًا على تعمد رئيس أمريكا الكذب، وتلفّظه ببذيء الألفاظ، وتناقضه فيما يصدر عنه، وأن أمريكا ليست حليفًا موثوقًا به، فلا يؤمن جانبها، ولا يُرجى خيرًا منها ألبتة.. إلى آخره من سوء فِعالٍ وخصالٍ كان ترامب دليلًا عليها؛ فلزم شكر الله عليه. نعم، شكرًا عليه لِفضْحِه العالم، وفضحِه أمريكا.

ورغم مقالاتي ضد إيران المرشد إلا أن غصّةً في الحلق وألمًا تجاه تكسير عظام إيران الحضارة، وانكشاف ظهرنا تمامًا، في مقابل استئساد وتوحش وتغوّل هذا الكيان البربري، عديم الأصل، ومَن وراءه، واللذان لن يسلم منهما بعدها أحدٌ، كما لم تسلم منهما قبلُ العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين. وكانت رسائلهما للدنيا بأسرها عبر إيران وغيرها بعلم الوصول، وقد وصلت. ليكون السؤال: بقتل خامنئي، والإجهاز على برنامجي إيران، النووي والصاروخي، إن تمّ ذلك جدلًا، هل ستنتهي تلك الفزّاعة؟! وتنتهي عذاباتُ منطقتنا نهبًا وتدميرًا؟! أم أن جراب الحاوي وفزّاعاته لا ينفد أبدًا؟! ربما في قول ترامب نفسه، بأن إيران ربما تعمد مستقبلًا إلى تطوير برنامجيها، فإن عادت عُدنا. ليبقى استنزاف مقدرات منطقتنا بفزّاعة إيران تارةً، وإسرائيل أخرى، وربما غيرهما ثالثةً رهينة الرغبة الأمريكية، والتي تتغذّى فقط على الحروب، وإذكاء الصراعات؛ فالسلام لا يُشبع بطنًا، ولا يملأ جيبًا، ولا يقيم عودًا ولا ظهرًا، السلام ما يأكلش عيش. ولن يردعها، وكيانها، سوى وقفةٍ جادّة رافضةٍ لذلك كله، وقفة يكون الجميع فيها صفًّا واحدًا إزاء هذا الخطر الوجودي، المُحدق بالجميع، والمُهدِّد لهم، عربًا وغير عربٍ.

حفظ الله مصر.