في ظل واقع إقليمي شديد الاضطراب، أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن المنطقة مقبلة على موجة ممتدة من المخاطر الأمنية والعسكرية، في ظل انهيار مؤسسات دول، وتصاعد نفوذ الميليشيات المسلحة، واتساع نطاق الإرهاب العابر للحدود، وانطلاقًا من هذه القراءة الاستراتيجية، تحركت مصر بخطوات استباقية لحماية أمنها القومي والحفاظ على استقرارها الداخلي، عبر تبني مفهوم “القوة الشاملة” الذي طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره الإطار الحاكم لبناء دولة قادرة على الردع والتنمية في آنٍ واحد.
وشهدت السنوات التي أعقبت 2011 تحديات أمنية جسيمة، تمثلت في تراجع المنظومة الأمنية وارتفاع معدلات الجريمة وتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة في شمال سيناء، ومع تصاعد موجة العنف عقب 2013، دخلت الدولة في مواجهة مفتوحة مع جماعات مسلحة استهدفت مؤسسات الدولة والبنية التحتية ودور العبادة، وقد تعاملت الأجهزة الأمنية مع هذه التحديات من خلال استراتيجية شاملة ركزت على تفكيك الشبكات الإرهابية وتجفيف منابع تمويلها، وتنفيذ ضربات استباقية دقيقة، بالتوازي مع تشديد إجراءات تأمين الحدود في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
ومثلت العملية الشاملة العملية الشاملة سيناء 2018 محطة فارقة في مسار مكافحة الإرهاب، حيث نجحت القوات المسلحة والشرطة في توجيه ضربات قاصمة للبنية التحتية للتنظيمات المسلحة، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في عدد العمليات الإرهابية واستعادة السيطرة الأمنية على مناطق واسعة كانت تمثل بؤرًا للنشاط المسلح، وقد تزامنت هذه الجهود مع إطلاق مشروعات تنموية موسعة في سيناء وعدد من المحافظات، بهدف معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للتطرف.
وعلى المستوى العسكري، أدركت القيادة السياسية أن الحفاظ على الأمن القومي لا يقتصر على المواجهة الداخلية، بل يتطلب تحديثًا شاملًا للقوات المسلحة في ضوء تعدد جبهات التهديد، فالحدود الغربية شهدت تطورات متسارعة مع الأزمة الليبية، بينما فرضت التطورات في شرق المتوسط تحديات جديدة تتعلق بحماية ثروات الغاز وتأمين خطوط الملاحة، فضلًا عن اعتبارات الأمن المائي في الاتجاه الجنوبي.
واستجابة لهذه المتغيرات، انطلقت خطة مكثفة لتحديث منظومة التسليح وتنويع مصادره، بما يضمن استقلال القرار الوطني ويمنع احتكار السلاح من طرف بعينه.
وشهدت القوات المسلحة إدخال نظم قتالية متطورة، من بينها مقاتلات Dassault Rafale متعددة المهام، وغواصات ألمانية حديثة، وفرقاطات متطورة، إلى جانب حاملتي المروحيات من طراز “ميسترال”، وهو ما عزز قدرات الردع البحري والجوي ورفع كفاءة الاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل.
وبالتوازي مع تحديث التسليح، أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير البنية التحتية العسكرية عبر تدشين قواعد استراتيجية جديدة في مختلف الاتجاهات، من بينها قاعدة محمد نجيب العسكرية في المنطقة الغربية، وقاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر، وقاعدة 3 يوليو البحرية على ساحل المتوسط.
وأسهمت هذه القواعد في تعزيز القدرة على تأمين السواحل والحدود، وحماية المصالح الاقتصادية، وتوفير عمق استراتيجي مرن للقوات المسلحة.
وفي إطار السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، تبنت الدولة استراتيجية واضحة لتوطين الصناعات العسكرية، عبر التوسع في تصنيع المدرعات والمركبات القتالية والذخائر وأنظمة الاتصالات محليًا، وتطوير الترسانات البحرية لبناء السفن الحربية، كما عززت مصر حضورها في معارض الصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها EDEX 2021، بما يعكس تطور قاعدة التصنيع العسكري المصري وقدرته على المنافسة إقليميًا.
ولم يكن التحديث مقتصرًا على المعدات والبنية التحتية، بل امتد إلى العنصر البشري، حيث تم تطوير المناهج العسكرية وتوسيع نطاق المناورات المشتركة مع عدد من الدول، بما يسهم في تبادل الخبرات وصقل المهارات القتالية، وقد انعكس ذلك على التصنيفات الدولية، إذ وضع موقع Global Firepower الجيش المصري ضمن قائمة أقوى الجيوش عالميًا، متقدمًا على المستوى العربي والأفريقي.
وتكشف تجربة السنوات العشر الماضية عن تحول نوعي في مقاربة الدولة المصرية لملف الأمن القومي، قائم على رؤية استباقية تستوعب طبيعة التهديدات المتغيرة في الإقليم، فقد جمعت الدولة بين الحسم الأمني في مواجهة الإرهاب، والتحديث العسكري واسع النطاق، والتنمية الشاملة كركيزة للاستقرار طويل الأمد، وبذلك رسخت مصر معادلة واضحة مفادها أن حماية الاستقرار الداخلي وصون المصالح الاستراتيجية يتطلبان قوة ردع حديثة، قادرة على التعامل مع تحديات الحاضر واستشراف مخاطر المستقبل

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







