أكد الدكتور محمد سعد الحرش، أستاذ الميكروبيولوجي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة، أن تكنولوجيا النانو (Nanotechnology) تتربع على قمة منجزات الثورة العلمية المعاصرة، واصفاً إياها بأنها "نقلة نوعية" أعادت صياغة قدرة الإنسان على فهم المادة والتحكم في خصائصها.
وأوضح الدكتور الحرش في تصريح خاص لـ "بوابة أخبار اليوم"، أن هذه التكنولوجيا تعتمد على إعادة هندسة المادة على المستويين الذري والجزيئي، مشيراً إلى أن المصطلح ارتبط تاريخياً بالعالم الياباني "Norihiro Taniguchi " عام 1970، والذي حدد أبعاد هذه المواد بين 1 إلى 100 نانومتر.
خصائص فريدة وقدرات فائقة
وكشف أستاذ الميكروبيولوجي أن المواد في هذا النطاق "متناهي الصغر" تكتسب خصائص فيزيائية وكيميائية وبيولوجية فريدة تختلف جذرياً عن نظيراتها التقليدية. وأرجع ذلك إلى سببين علميين رئيسيين الأول ارتفاع نسبة المساحة السطحية إلى الحجم (Surface area-to-volume ratio) مما يزيد من تفاعلية المادة وكفاءتها والسبب الثاني هوتأثيرات ميكانيكا الكم (Quantum effects) التي تمنح المواد ميزات تقنية استثنائية تفتح آفاقاً تطبيقية واسعة في مختلف المجالات العلمية والبيئية.
توسع متسارع لتقنيات "النانو"
وشهد قطاع التكنولوجيا المتقدمة تحولاً جذرياً مع التوسع المتسارع لتقنيات "النانو" في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة، والبيئة، وتكنولوجيا المعلومات، إلا أن التأثير الأكبر برز بوضوح في قطاع الرعاية الصحية (Human Health Care)، حيث أسهمت الجسيمات النانوية في تطوير أنظمة توصيل الدواء (Drug delivery systems) ذات الاستهداف الدقيق، مما يعزز كفاءة العلاج ويحد من التأثيرات الجانبية.
كما أسهمت في تحسين تقنيات التشخيص المبكر للأورام عبر مجسات نانوية عالية الحساسية وفي قطاع الطاقة، ساعدت في تطوير الخلايا الشمسية (Solar cells) والبطاريات عالية السعة (High-capacity batteries)، إضافة إلى تحسين كفاءة الوقود (Fuel efficiency) أما بيئيًا، فقد لعبت دورًا مهمًا في معالجة المياه وإزالة الملوثات من خلال تقنيات المعالجة الحيوية (Bioremediation)، بما يعكس تكامل هذا العلم مع أهداف التنمية المستدامة.
وأشار الدكتور محمد الحرش إلى تنوع طرق تخليق الجسيمات النانوية بين الأساليب التقليدية الكيميائية والفيزيائية، مثل الاختزال الكيميائي والترسيب والطحن الميكانيكي، وهي طرق فعالة لكنها قد تعاني من بعض Drawbacks تشمل إنتاج نواتج ثانوية سامة (Toxic by-products)، وارتفاع التكلفة، واستهلاكًا كبيرًا للطاقة. وفي المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة استراتيجيات التخليق الحيوي أو الأخضر (Green synthesis)، التي تعتمد على استخدام الكائنات الدقيقة أو المستخلصات النباتية كعوامل مختزِلة ومثبتة للجسيمات النانوية. وتمتاز هذه المنهجية بكونها صديقة للبيئة (Eco-friendly)، منخفضة السمية، وأكثر توافقًا حيويًا (Biocompatible)، مما يجعلها خيارًا واعدًا في التطبيقات الطبية والحيوية.
تطبيقات متقدمة
وأضاف أستاذ الميكروبيولوجي معهد بحوث الاراضي والمياه أنه من أكثر التطبيقات تقدمًا في الطب استخدام الجسيمات النانوية في مجال العلاج الجيني (Gene therapy) وتقنيات الصمت الجيني (Gene silencing) ويُعرّف الصمت الجيني بأنه آلية تنظيم داخل الخلية تهدف إلى منع التعبير الجيني (Regulation of gene expression) لجين معين عبر تعطيل أو تحلل جزيئات mRNA المسؤولة عن ترجمة البروتين.
وتابع وتعتمد هذه التقنية غالبًا على آلية RNA interference (RNAi)، حيث تُستخدم الجسيمات النانوية كناقلات فعالة لجزيئات siRNA لحمايتها من التحلل وضمان وصولها إلى الخلايا المستهدفة وقد حظيت هذه الاستراتيجية باهتمام كبير في أبحاث علاج Alzheimer's disease، وهو مرض تنكسي عصبي يرتبط بالتقدم في العمر وقد ينشأ عن عوامل وراثية أو تغيرات بيوكيميائية في الدماغ. وتستهدف المقاربات النانوية الحديثة تثبيط الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات المرضية عبر تحفيز تحلل mRNA، ما يمثل توجهًا علاجيًا واعدًا في إطار Nano-enabled therapeutics.

تحسين إنتاجية المحاصيل الزراعية
واوضح أستاذ الميكروبيولوجي معهد بحوث الاراضي والمياه ان تطبيقات النانو لتقتصر على الطب البشري، بل امتدت إلى المجال الزراعي، حيث يجري توظيفها في تحسين إنتاجية المحاصيل ومكافحة الأمراض النباتية عبر استراتيجيات دقيقة ومستدامة. ومن الأمثلة البارزة مرض لفحة سنابل القمح (Head blight) الذي تسببه فطريات من جنس Fusarium، وهو مرض يؤدي إلى خسائر اقتصادية جسيمة في إنتاج القمح عالميًا. وتعمل الأبحاث الحديثة على توظيف تقنيات Gene silencing المعتمدة على الجسيمات النانوية لتعطيل الجينات المسؤولة عن ضراوة الفطر، مما يوفر نموذجًا متقدمًا للعلاج الجيني النباتي ويعزز مفهوم الزراعة الذكية (Smart agriculture)
واكد الحرش على إن تكنولوجيا النانو تمثل اليوم منصة علمية عابرة للتخصصات (Interdisciplinary scientific platform)، تجمع بين الفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة، وتؤسس لجيل جديد من الحلول المبتكرة في الطب والطاقة والبيئة والزراعة ومع استمرار التقدم في فهم التفاعلات على المستوى النانوي، يتوقع أن تتضاعف تطبيقاتها خلال العقود القادمة، شريطة مراعاة الأطر الأخلاقية والتنظيمية لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا الواعدة

الذهب يقلص مكاسبه مساء تعاملات الخميس.. والأوقية تربح 45 دولارًا
استقرار أسعار الطوب اليوم الخميس 4 يونيو 2026
تذبذب أسعار السلع الغذائية العالمية اليوم الخميس 4 يونيو 2026







