الحياة تتقيأ أيضاً

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


وائل الحفظى


من الكوّة الفولاذية التى تتوسط ثلاجة الموتى، أخرج جثةً مكيّسة وممدّدةً على صفيحةٍ بلا حوافّ أعلى الكيس، خُطّ باللغة الإنجليزية اسمٌ ثلاثىّ، بخطّ ردىءٍ ينمّ عن اعتياد خاطّه التعاملَ مع الموتى هو ذاته الاسم الذى ردّده بصوتٍ عالٍ قبل دقائق، ولكن بالعربية، محاولاً استعادته من ذاكرةٍ بعيدة دون جدوى.

شرع فى سحب الزمام المنزلق، شاقّاً منتصف الكيس، فتكشّف وجهٌ متنفسج لا يدلّ إلا على برودةٍ مستقرة أفرج عن الجسد كاملاً آثار محاولات إنعاشٍ مبعثرة فوق صدرٍ عريض، يغطيه شعرٌ شائبٌ رقيق، يمتدّ بين حلمتين متباعدتين يصعب غضّ البصر عن راحةٍ مستفزّةٍ تسكن وجهه؛ راحة من حظى بسلامٍ دون مقاومة لولا التشوّه الذى راح يتململ داخله، لمرّ عليه كأى ميتٍ آخر.

شىء صغير انتشله من الحياد: خاتم عقيقٍ أحمر يضيق على بنصرٍ متيبّس لمعانه الخافت فعل ما لم يفعله الاسم. انتفخت ذاكرته دون استئذان؛ صورٌ متفرقة راحت تبرق فى رأسه، كما لو أنها تحدث من جديد نظر مجدداً إلى ملف تسليم الجثة: العمر سبعة وستون عاماً، سبب الوفاة سكتة قلبية أثناء النوم. لم يعد الاسم مهماً؛ الصورة القديمة كانت أوضح: وجهٌ أصغر بثلاثين عاماً، والخاتم ذاته.

أعاد الملف إلى طاولةٍ جانبية، واقترب يتأمّل فماً فاغراً باغت شخيره خروجَ روحٍ ملّته، وجهاً صار صريحاً فى قماءته مرّر أطراف أصابعه حتى استقرّت داخل فغرته؛ شعرت بالتردّد، ثم انزلقت حتى نشبت فى ثلمة عنقه الوداجية، قبل أن تتمدّد باحثةً عن أى وريدٍ نابض فاقم السكون من خيبته؛ إذ لم يكن يريد لهذا الرجل أن يموت هكذا، ليس بتلك الطريقة العادية. الأيام خانته السلام خيانة.

كان عليه أن يصنع الأقدار بنفسه.

هبط بنظره إلى منطقته الضامرة نمت فكرةٌ مقزّزة فى خاطره. شعر بيديه تمسكان جانب الجثة لتقلباها على وجهها، لكن البرودة تسللت إلى دفئه، فانسحب. حاول طرد الفكرة، الذبابة، عن رأسه؛ كان الغثيان يتعرّش جهازه الهضمى أكثر كلما زاد إلحاحها.

قرّر أن يلجأ إلى جسده؛ أن يكشف عن الندبة المتعرّجة التى تسكن جانب فخذه الأيمن من الداخل فعلها من قبل كلما مرّ الموت بجانبه، لجأ إلى جسده: ينزوى، ينزل بنطاله إلى ركبتيه، تتبدّى الندبة، فتنبت الطفولة أمامه تكفى الذكرى لحجب الفاجعة؛ تُلهيه لدقائق طويلة، وربما  فى أحيانٍ كثيرة  تعجبه. لتلك الندبة مفعول سحر؛ ثمّة آلامٌ تجعل الحياة أهون بعدها.

لم تكن تلك الندبة يومها أكثر من جرحٍ على جسدٍ لم يتجاوز السابعة. قبل انتقالهم من الحى القديم، كانت أمّه تودعه بيت جارتها؛ تفعل ذلك كلما اضطرتها الأيام لزيارةٍ أو مناسبة فرح، فتتركه للعب مع أبناء الجارة حتى تنتهى، ثم تعود مصطحبةً إيّاه إلى البيت فى تلك الليلة هرب وحده قبل عودة أمّه. تسلّق شجرةَ سلامٍ تتكئ على سور الجارة رفع قدمه اليسرى ليسحب الأخرى، شعر بها أثقل؛ نظر إليها، فإذا بآخر غصنٍ مكسورٍ منغرس فيها. لم يشعر بشىء، ومع ذلك سحبها مغمض العينين.

تسلّق مع أبناء الجارة تلك الشجرة مراراً؛ كان أسرعهم دائماً، وأمهرهم فى فعلها بخفّةٍ دون أذى. فى تلك المرّة كان وحده، لا يسابق إلا هلعه أبناء الجارة نيام، ورجلها يقف أدنى الشجرة، ينفض عضوه القاطر، بينما يلمع خاتم عقيقٍ أحمر فى يده.

أسرع فى إغلاق باب القسم الذى يناوب فيه كشف عن ندبته؛ تلونت، وبدت فى تأثيرها مختلفة هذه المرّة تحسّسها علّه يستعيد مهربه، لكن لمسها أعاد المأساة أوضح، وجعل من الفكرة - الذبابة - أثقل زَنّاً صار عليه أن يفعلها أن ينتقم بنفسه.

ارتدى ما كان يستره كيفما اتفق. باشر فى إنهاض الجثة، زحزحها حتى أقامها على صلبها، محيطاً بكلتا يديه حول حقويها، وجمع جسدها البارد حتى التصق به. مال رأسها على كتفه؛ انتبه لشعور خوفٍ لم يلبث أن صار قرفاً.

سرت رعشةٌ صغيرة فى جسده. تسلّلت البرودة من جديد إلى دفئه؛ كان ثقلها لا ينبئ به هذا الهدوء. بسرعةٍ أعاد تمديدها فى مكانها، قبل أن يهرع إلى سلة المهملات جثا، واستفرغ ما بجوفه. مسح بكمّ ثوبه بقايا القىء حول فمه، وعبر الممر إلى المكتب، حيث انتشل  بحركةٍ خاطفة  أداةَ نزع الدبابيس الحادّة.

المسافة قصيرة إلى المكتب، لكنها بدت أثناء عودته أطول من أى وقتٍ مضى. تتجاذبه الهواجس؛ أعتَمُها أنه لا يمكن للحياة أن تتقيّأ ذاك الرجل قبله.

الآن يعصر الأداة الحادّة بقبضته أمام الميت، باحثاً عن أبشع طريقةٍ لشفائه، عن استدراكٍ يسمح له أن يتقيّأ هو أيضاً ما علق فى أحشائه.

كان يعرف أن هذا الموت ليس كافياً كان عليه أن يكون أبطأ؛ أو لو كشف عن الجثة فوجدها بجمجمةٍ مثقوبة، أو مليئةٍ ببثور مرضٍ مستعصٍ، أو مجزّأة بسبب حادث دهس، أى شىءٍ سوى هذا النوم الهادئ، وبالطريقة الأسهل على الرجل، والأقسى على الطفل الذى هرب إلى باب منزله دون أن يخبر أحداً بشىء.

اقترب من الجثة سرح فيها لدقيقة، ثم بحركة متأكدة أمال فخذها الأيمن حتى ظهر جانبه، وبالأداة الحادّة نقش التعرّجات ذاتها. ببطءٍ دقيق. كما لو أنه يعيد ندبته إلى مكانها الصحيح.

وازن الجثة وسط كيسها سحب الزمام الحديدى حتى الرأس. دفع الصفيحة إلى داخل الثلاجة أنزل المزلاج.

ثم خرج، ليُكمل إجراءات تسليمها.