6 محاريب ولوح تأسيسي نادر.. كنوز معمارية في مسجد ابن طولون

جامع أحمد بن طولون
جامع أحمد بن طولون


في قلب القاهرة التاريخية، وعلى ربوة صخرية عُرفت بجبل يشكر، ينتصب جامع أحمد بن طولون شامخًا منذ القرن الثالث الهجري، شاهدًا على عبقرية العمارة الإسلامية في مصر. ليس مجرد مسجد تقام فيه الشعائر، بل مدرسة متكاملة في الفن والهندسة والتخطيط العمراني، احتفظت بروحها الأصلية عبر أكثر من أحد عشر قرنًا. 

ويُعد الجامع ثالث أقدم مساجد مصر بعد جامع عمرو بن العاص وجامع العسكر، وأكبرها مساحة، إذ يمتد على نحو ستة أفدنة، محتفظًا بعناصره المعمارية الفريدة التي جعلته أيقونة للفنون الإسلامية.

أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن جامع أحمد بن طولون شُيّد عام 265هـ بأمر مؤسسه الأمير أحمد بن طولون، ليكون الجامع الجامع لعاصمته القطائع، ومركزًا دينيًا يليق بدولته الناشئة.

وأوضح «ريحان»، أن اختيار موقع الجامع فوق ربوة صخرية كان قرارًا هندسيًا بالغ الذكاء، ليقام على أساس متين بعيدًا عن أخطار فيضان النيل، وهو ما أسهم في بقائه محتفظًا بمعظم عناصره الأصلية حتى اليوم.

وتولى بناءه المهندس المسيحي سعيد بن كاتب الفرغاني، في دلالة واضحة على روح التسامح والتعاون في المجتمع المصري آنذاك، ويتميز الجامع بتخطيطه الفريد؛ فهو من المساجد القليلة الخالية من الأعمدة الرخامية، إذ يستند سقفه إلى 160 دعامة من الآجر (الطوب الأحمر)، تتخذ أركانها هيئة أعمدة مندمجة ذات تيجان ناقوسية، وتكسوها زخارف جصية بأوراق نباتية خماسية الفصوص. وتحمل هذه الدعامات عقودًا مدببة على هيئة حدوة الفرس، تمنح المكان إيقاعًا بصريًا مهيبًا يعكس تطور العمارة الإسلامية في العصر الطولوني.

 

 

الزيادات وعرائس السماء

وأشار الدكتور ريحان إلى أن من أبرز سمات الجامع وجود ثلاث زيادات تحيط به من جهاته، لتوفر العزلة والسكينة للمصلين بعيدًا عن ضوضاء الشوارع، كما تعلو جدرانه شُرُفات مميزة تُعرف بـ«عرائس السماء»، شُيدت من الآجر في هيئة زخارف متجاورة تشبه أشكالًا آدمية متشابكة الأذرع.

ويتبع الجامع التخطيط التقليدي للمساجد الجامعة على طراز مسجد الرسول ﷺ بالمدينة المنورة، إذ يتوسطه صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة.

- جامع بستة محاريب

وتكشف الدراسة التي عرضها الدكتور ريحان عن ثراء معماري لافت، إذ يضم رواق القبلة ستة محاريب، أقدمها المحراب الرئيسي الذي يرجع لعهد أحمد بن طولون، وهو محراب مجوف تعلوه زخارف فسيفسائية وكتابة بالخط النسخي "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

اقرأ أيضاً: «صيام النصر».. روحانيات العاشر من رمضان تتوج نصر أكتوبر

وشهد الجامع تجديدات مهمة في العصر المملوكي، خاصة في عهد السلطان حسام الدين لاجين عام 696هـ/1296م، حيث أُعيد تزيين طاقية المحراب بالخشب المنقوش، وأقيمت قبة فوقه، وأُنشئت فسقية في وسط الصحن عبارة عن حجرة مربعة تعلوها قبة كبيرة تتوسطها نافورة رخامية.

كما يضم الجامع محرابًا يُعرف بمحراب السيدة نفيسة، وآخر مقلدًا لمحراب يرجع إلى عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، إضافة إلى محرابين يرجعان للقرن الرابع الهجري. ويعد اللوح التأسيسي الذي يحمل اسم أحمد بن طولون وتاريخ الفراغ من البناء عام 265هـ أقدم لوح تأسيسي في عمارة مصر الإسلامية.

 

- المئذنة الملوية

ومن أبرز معالم الجامع مئذنته الحجرية الشهيرة المعروفة بـ"الملوية"، لتأثرها بمئذنة سامراء في العراق، إذ يتصاعد إليها سلم خارجي يلتف حول بدنها حتى يبلغ أعلاها، حيث الجزء العلوي الذي يشبه المبخرة، في تصميم يمنحها طابعًا فريدًا في عمارة المساجد المصرية.

- تقليد إنساني خالد

ويختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان بالإشارة إلى واقعة إنسانية ارتبطت ببناء الجامع؛ إذ لاحظ أحمد بن طولون أن العمال يبيتون في موقع البناء خلال رمضان، فتساءل: "متى يشتري هؤلاء إفطارًا لأولادهم؟" وأمر بصرفهم وقت العصر، وهو تقليد استمر بعد رمضان وأصبح عرفًا في أعمال البناء بمصر، في مشهد يعكس بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا لصاحب الجامع.

وهكذا يبقى جامع أحمد بن طولون ليس فقط أكبر مساجد مصر مساحة، بل مدرسة معمارية متكاملة، تحفظ بين جدرانها تاريخًا من الإبداع الفني والتسامح الإنساني والتطور الحضاري، ليظل أحد أعظم شواهد العمارة الإسلامية في العالم