في مثل هذا اليوم، تستعيد مصر ذكرى واحدة من أعظم الملاحم العسكرية والإنسانية على حدٍ سواء فى التاريخ الحديث، في ذكرى العاشر من رمضان، حين يجتمع الإيمان مع التخطيط والصيام مع القتال. نحن لا نحتفل فقط بذكرى عسكرية غيرت خارطة الشرق الأوسط، بل نحتفل بملحمة "إرادة" لا تتكسر تجسدت في جندي صائم، حمل سلاحه بيد وصبره باليد الأخرى رافعة راية الإيمان ، ليثبت أن العقيدة هي المحرك الأول للنصر.
◄ فتوى القتال والصيام
قبل الاستعداد للحرب وانطلاق الرصاصة الأولى، شهدت القيادات داخل الجيش المصري كواليس بشأن الـ نقاشات الفقهية والعسكرية حول صيام الجنود. ورغم صدور فتاوى شرعية تبيح الإفطار للجنود بناءً على رخصة "المسافر" و"المجاهد"، إلا أن المفاجأة اذهلت القادة أنفسهم، وأعلن الأغلبية من الجنود والضباط رفضهم الإفطار.

وثق الجنود يومياتهم من خلال كتابة الجوابات وإرسالها لذويهم وأصدقائهم لطمأنتهم باستمرار على أحوالهم ومن خلال تلك المراسلات وثق أحد أبطال العبور في مراسلاته عن الجدل الذي أثير حينها بشأن جواز الإفطار لكنه قرر أن يحارب علي الجبهه وهو صائم مثل باقي الأغلبية من المجاهدين قائلاً "كنا نريد أن نلقى الله ونحن صائمون إذا كُتبت لنا الشهادة".
وخلال تصريحات إعلامية للواء فيليب زخارى قائد لواء الصواريخ ببورسعيد في حرب أكتوبر 73، صرح قائلا إنه صام في رمضان مع ضباطه وجنوده المسلمين رغم وجود فتوى بجواز الإفطار في رمضان في حالة الحرب، ولكن ضباطه وجنوده أصروا على الصيام فتوحد معهم وصام وهو المسيحى الذى لا صيام له في رمضان.

وقد تم اختيار الساعة الثانية ظهرا في منتصف اليوم من العاشر من رمضان بدء الهجوم، وهو وقت غير معتاد في الحروب، واختير هذا التوقيت بسبب إنهاك جنود الجيش الإسرائيلي في الشمس والطبيعة الصحراوية لـ سيناء مما يسبب لهم التشويش والإرهاق.
وخلال تصريحات لـ اللواء عبد الرافع درويش، الخبير الاستراتيجي، كبير ملاحي اللواء الجوي 547، في حرب أكتوبر، كشف فيها عن آلية رمضان خلال الحرب وكيف كان رمضان في حرب أكتوبر، حيث قال خلال تصريحاته إنه أصدر أوامره لأفراد اللواء بالإفطار قبل الحرب، وأخذ يمر عليهم جميعًا، ليتأكد من أنهم أنهوا صيامهم، إلا أن أحد تلامذته داخل الكتيبة ، قال له "حضرتك أكبر واحد فينا سنا، ولما حضرتك صايم إحنا يا صغيرين هنفطر، بعد إذنك يا فندم إحنا هنصوم، عايزين لما نقابل ربنا نبقى شهداء وصايمين".
◄ سلاح الخداع الاستراتيجي
ساعدت الطقوس الرمضانية في تمويه العدو إذ لعب الصيام دوراً محورياً في "خطة الخداع الاستراتيجي". فقد استغلت القيادة المصرية شهر رمضان لإيهام العدو الإسرائيلي بأن الجيش في حالة استرخاء وتعبد، ولا يمكنه القيام بأي مجهود .

كما رصدت استخبارات العدو حينها خلو المطابخ الميدانية من الدخان مما يدل علي صيام الجنود ،و شوهد الجنود وهم يمارسون حياتهم الطبيعية في رمضان من ممارسة لعبة كرة القدم، وجلسات ذكر. هذا المشهد جعل استخبارات العدو تستبعد تماماً قيام "جيش صائم" بهجوم شامل في عز ظهيرة يوم حار.
◄ ساعة الصفر
تعالت صيحات "الله أكبر" لتزلزل الحصون وتهز القلوب وتروي ظمأ الصائمين ،في تمام الساعة الثانية ظهراً، ومع اشتداد حرارة الشمس وصعوبة الصيام، انطلقت صيحات "الله أكبر". يروي المقاتلون أن الجوع والعطش تلاشيا تماماً بمجرد رؤية الطائرات المصرية وهي تعبر القناة.
بعد أن تمكنوا الجنود البواسل من تحطم خط بارليف المنيع ، شقوا صيامهم برشفة من المياة وتمرة واحدة ، ليكن هذا هو فطارهم الأول علي خط النار

ارتفعت معنويات الجنود ووصلت الحالة النفسية للجنود في أعلى مستوياتها، معتبرين أن القتال في رمضان هو امتداد لغزوة بدر الكبرى.
◄ التحديات التي واجهها الجندي الصائم
لا شك أن الحرب كانت مليئة بالتحديات وفي حالة أن الجنود تلقوا خبر ساعة الصفر وبدء انطلاق الحرب، خاصة تحت لهيب الشمس كان العطش الشديد، هو أبرز تحديات الجنود بأن يواصلوا الحرب وهم صائمين، لكن سبق ذلك تدريبات شاقة قبل الحرب في ظروف مشابهة أو محاكاة للحرب لقياس قدرتهم علي استكمال الحرب في الصيام.
كذلك المجهود البدني لكن روح العقيدة غطيا على التعب الجسدي. يبقي توقيت الهجوم في نهار رمضان كان مفاجأة تكتيكية لم يتوقعها العدو.

سيظل نصر العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر أكبر برهان على هشاشة العدو وتلقينه درساً قاسيا، فهو ليس مجرد عبور مانع مائي، بل كان عبوراً من اليأس والعزيمة إلى الرجاء والنصر. وسيظل الجندي المصري الذي اقتحم الحصون وهو "صائم" رمزاً لا يتكرر للتضحية، محولاً الجوع إلى قوة، والعطش إلى طاقة لا تقهر.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







