تمثل خبيئة الأقصر المكتشفة حديثًا شاهدًا جديدًا على وعي المصري القديم بقيمة تراثه وحرصه على صونه في أوقات الأزمات، إذ تكشف تفاصيلها عن نظام دقيق لحماية المومياوات والمقتنيات الجنائزية عبر إخفائها في مخابئ سرية بعيدًا عن أخطار السرقة والاضطرابات السياسية، خاصة خلال عصر الانتقال الثالث عقب نهاية حكم الملك رمسيس الحادي عشر.
ويعكس هذا النهج المتقدم مفهومًا مبكرًا لحماية الممتلكات الثقافية يوازي في جوهره ما نصّت عليه لاحقًا اتفاقية لاهاي لعام 1954، بما يؤكد أن مدينة طيبة القديمة الأقصر لم تكن فقط عاصمة سياسية لمصر في الدولة الحديثة، بل مركزًا حضاريًا حافظ أبناؤه على كنوزه لتصل إلى العالم المعاصر، من خبيئة الدير البحري إلى العساسيف وصولًا إلى الكشف الجديد الذي يعزز القيمة الثقافية والسياحية العالمية للأقصر.
لذلك أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بـالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن خبيئة الأقصر تمثل كنزًا معلوماتيًا وثقافيًا وسياحيًا ذا قيمة عالمية استثنائية، يضاف إلى سجل مدينة طيبة القديمة الأقصر التي كانت عاصمة لمصر نحو خمسة قرون خلال الدولة الحديثة (1570–1070 ق.م).
أوضح الدكتور ريحان، أن الاكتشاف الجديد يعزز فكرة أن قدماء المصريين سبقوا عصرهم في كيفية حماية ممتلكاتهم الثقافية خلال فترات الاضطراب، وهو ما يتوافق مع المبادئ التي أرستها لاحقًا اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وأشار إلى أن الاتفاقية تنص على اتخاذ تدابير وقائية، من بينها إنشاء مخابئ مؤمّنة لحفظ الآثار، ووضع علامات مميزة لتجنب استهدافها، إضافة إلى التوثيق العلمي الدقيق، إلا أن المصري القديم بحسب ريحان طبّق هذا المفهوم فعليًا منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، عبر ما يُعرف في علم الآثار بـ"الخبيئة"، وهي مكان سري خُصص لإخفاء المومياوات والمقتنيات الجنائزية لحمايتها من السرقة أو التلف في عصور الضعف السياسي.
وبيّن أن عصر الانتقال الثالث، الذي أعقب نهاية حكم الملك رمسيس الحادي عشر (1099–1069 ق.م)، شهد حالة من اللامركزية دفعت الكهنة إلى نقل المومياوات الملكية وتأمينها في مخابئ بعيدة عن أعين لصوص المقابر، خاصة مع انتقال السلطة إلى ملوك الأسرة الحادية والعشرين الذين اتخذوا من تانيس صان الحجر حاليًا عاصمة لهم.
وأكد ريحان أن مفهوم الخبيئة لم يكن مجرد إجراء أمني، بل رسالة حضارية امتدت من الأجداد إلى الأحفاد، ولولا هذا الوعي المبكر لما وصلت إلينا كنوز مصر الملكية.
وضرب مثالًا بـخبيئة الدير البحري التي ضمت أكثر من 50 مومياء لملوك وملكات وأمراء من الأسرات (17–20)، والتي شكّلت أساس إنشاء قاعة المومياوات الملكية بـالمتحف المصري بالتحرير، قبل أن تُنقل في موكب مهيب إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في حدث تاريخي معاصر.
كما أشار إلى خبيئة العساسيف المكتشفة عام 2019 بأيادٍ مصرية خالصة، والتي ضمت 30 تابوتًا ملونًا متراصًا في صفين، تعود إلى الأسرة الثانية والعشرين، وكانت مخصصة لكهنة وكاهنات خدموا في معابد آمون وخونسو.
أما خبيئة الأقصر المكتشفة حديثًا بواسطة بعثة مصرية مشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، فتضم 22 تابوتًا خشبيًا ملونًا رُصّت في عشرة صفوف أفقية بشكل منظم، إضافة إلى ثماني برديات نادرة، وعدد من الأواني الفخارية المرتبطة بمواد التحنيط.
وقد عُثر عليها في الزاوية الجنوبية الغربية من فناء مقبرة سنب بمنطقة القرنة في البر الغربي بالأقصر، وتحمل معظم التوابيت ألقابًا وظيفية أبرزها "منشد أو منشدات آمون".
وطالب الدكتور ريحان بعرض الخبيئة بعد ترميمها وتوثيقها في متحف الأقصر، أو إنشاء متحف خاص بموقع القرنة ليكون نواة لمتحف شامل يضم مكتشفات الأقصر من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، على غرار متحف الحضارة بالقاهرة، بما يعزز القيمة الثقافية والسياحية للمدينة عالميًا.

"سيناء بين الماضي العريق وآفاق المستقبل".. ندوة باتحاد كتاب مصر
إشادات بنجاح موسم الحج وحصد جائزة «لبيتم» الفضية
مصدر: لا صحة لاستقالة عضو باللجنة العليا للحج بسبب الموسم الحالي.. والجميع يعمل لخدمة الحجاج







