"الدرس انتهى لموا الكراريس، بالدم اللي على ورقهم سال، في قصر الأمم المتحدة، مسابقة لرسوم الأطفال"، بهذه الكلمات لم يكتب صلاح جاهين مجرد أغنية، بل وثق بشاعة حادثة مدرسة "بحر البقر"، التي عادت إلى الأذهان بعد هجوم إسرائيل وقصف مدرسة ابتدائية جنوب إيران.
اقرأ أيضا | هجوم «إسرائيلي - أمريكي» على إيران.. وطهران تتوعد بالرد | مُحدث
"ايه رأي رجال الفكر الحر، في الفكرة المنقوشة بالدم، من طفل فقير مولود في المر، لكن كان حلو ضحوك الفم"، خمسة عقود، والقاتل لم يغير سلوكه، سوى إحداثيات طائراته، فبينما كان يسحق براءة أطفال الشرقية في السبعينيات، وقصف مدرسة بحر البقر، وراح ضحيتها 30 تلميذا وتلميذة، ووفاة مدرس واحد، وإصابة 36 آخرين، إضافة إلى 11 من العاملين في المدرسة، وتدمير مخازن المؤسسة المصرية لاستصلاح الأراضى، التي تضم الوقود وقطع الغيار والمهمات الزراعية، وهدم عشرات المنازل، ها هو اليوم يمد نيران إرهابه لتطال مقاعد المدرسة الابتدائية في إيران؛ ويقتل ٨٥ طالبة خلاف المصابين.
قبل 56 عاما، كان يوما دراسيا عاديا، يمر في صباح ريفي هادئ في قرية بحر البقر بالشرقية، لم تكن صباح قد انتهت من واجب الخط، وكان كل خوفها من غضب المدرس أو فقدانها درجات بأعمال السنة، أما محمود فكان يخبئ قطعة من الحلوى ويتناولها خفية عندما يدير المدرس ظهره، وباقي زملائهم لم يكونوا مجرد أسماء في سجل الحضور والغياب، بل كانوا ضحكات تعلو صباحا من بيوت بنيت بالطوب اللبن وحتى فناء المدرسة.
اقرأ أيضا | إسرائيل تشن هجومًا على إيران
وفي حصة لم تكتمل، في التاسعة والعشرين دقيقة من صباح اليوم الثامن من أبريل عام 1970، لم تستطع جدران المدرسة البسيطة حماية صغارها، من الانفجار الذي وقع فجأة جراء قصف العدو الصهيوني، أما الأطفال فظنوا أن "الفانتوم" التي تحلق فوق سقف مدرستهم مجرد طائر غريب، قبل أن تنهال عليهم بنيرانها، لتكتب السطر الأخير في كراساتهم، فاختلطت رائحة التراب برائحة دماء الأطفال، في مشهد لا يحتمل لاغتيال البراءة.
غارة "خارج المنهج"
"ايه رأيك في البقع الحمرا، يا ضمير العالم يا عزيزي، دي لطفلة مصرية وسمرا، كانت من أشطر تلاميذي"، ومن مريلة "آمال: في ريف مصر، إلى حقيبة علي في قلب إيران، حكاية غدر صهيوني لا يفرق بين طفل وآخر، فحين سقطت القنبلة الأولى، لم يدرك الصغار معنى "الغارة الجوية"، فلم يكونوا قد درسوها في المنهج بعد، وظنوا لأول وهلة أن هذا الصوت هو رعد مفاجئ، لكن سقف الفصل الذي انهال فوق رؤوسهم كان أسرع من خيالهم، سكت الغناء الذي كان يملأ الحصص، وحل محله صمت وأنين قادم من تحت الأنقاض، يقطعه صراخ أمهات هرعن من الحقول حافيات الأقدام، يفتشن في التراب عن شنطة قماشية أو فردة حذاء أولادهم.
اقرأ أيضا | تأهب إسرائيلي.. «CNN» تكشف هجوم وشيك على إيران
وفي المتحف الصغير بقرية بحر البقر، نجد شواهد حية على تلك اللحظات، كراسة حساب مفتوحة على مسألة جمع لم تكتمل، وقلم رصاص مبري بعناية استعدادا لكتابة الدرس الجديد، ومريلة رمادية ملطخة بالدماء.
اليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن على صرخة أطفال الشرقية، يجد التاريخ نفسه معادا ولكن بطريقة أكثر دموية، فالمشهد الذي وقع اليوم بمدرسة ابتدائية بجنوب إيران، ليس إلا صدى مريرا لذلك الصباح في قرية "بحر البقر"، القرية التي تحولت من مجرد نقطة على الخريطة، إلى رمز عالمي للصمود والألم، قرية علمت العالم أن الرصاص قد يقتل الجسد، لكنه لن يقتل حب الوطن، وأن دماء هؤلاء الصغار كانت هي الحبر الحقيقي الذي كتبت به كرامة هذه الأرض.
وبين ضحايا مدرسة بحر البقر، وضحايا المدرسة الإيرانية، يبقى الدرس الأكثر قسوة، وتبقى براءة الأطفال هي الثمن لصراعات لا ترحم، وتبقى كلمات الأغنية في أذهاننا "ايه رأيك يا شعب يا عربي، ايه رأيك يا شعب الأحرار، دم الأطفال جايلك يحبي، يقول انتقموا من الأشرار، ويسيل على الأوراق، يتهجى الأسماء، ويطالب الآباء بالتار للأبناء، ويرسم سيف، يهد الزيف، ويلمع لمعة شمس الصيف، في دنيا فيها النور بقى طيف، وساكتة على فعل الأباليس".
اقرأ أيضا | رسالة إسرائيل للأمريكيين: نحتاج قوات أكثر من المنتشرة حاليا لشن هجوم على إيران






«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







