لم يتوقع أحد أن تقرر إيران قلب المائدة فى وجه أمريكا وإسرائيل، وتقرر ضرب القواعد الأمريكية فى الخليج، ردا على اعتدائهما، وتوسيع نطاق الحرب، متبعة سياسة «عليَّ وعلى أعدائى»، إنه «خيار شمشون» وهدم المعبد فوق الجميع.
وأتصور أن الرد الأمريكى الإسرائيلى سيتجه نحو تدمير إيران، وإحداث فوضى شاملة، فالهجوم الايرانى يتجاوز فى تأثيره أحداث ١١سبتمبر عام ٢٠٠١، ويمثل تحديا لأكبر دولة فى العالم.
بعد سبتمبر قررت الولايات المتحدة تأديب ما عُرف بـ «مثلث الشر»، الذى ضم إيران والعراق وأفغانستان، دُمرت دولتان بالكامل وأسقطت أنظمة الحكم، بينما تأجل الصدام المباشر مع طهران لتوازنات إقليمية ودولية معقدة، لم تكن المسألة عجزاً بقدر ما كانت حسابات دقيقة، رأت فى بقاء إيران «بعبعًا» يقلق دول الخليج، لتظل فى حاجة دائمة إلى المظلة الأمريكية وصفقات السلاح الضخمة.
أما أحداث أمس ٢٨ فبراير، فقد تمثل أكبر تحدٍ تتعرض له الولايات المتحدة منذ عقود، والقضية ليست خسائر مادية فحسب، بل اختبار مباشر للهيبة السياسية والعسكرية، وعندما سقط البرجان، أقامت واشنطن الدنيا، وأطلقت حرباً طويلة وأعادت تشكيل الشرق الأوسط.
إيران بهذه الخطوة غيرت قواعد اللعبة، تتفاوض فى جنيف، وتضرب فى الخليج فى الوقت نفسه، وتستهدف مجمل القواعد الأمريكية فى المنطقة، وكأنها تستعد لحرب طويلة النفس، غير أن التاريخ يذكّر بأن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بطول المدة، بل بميزان القوى الشامل، وتجارب ألمانيا واليابان فى الحرب العالمية الثانية تظل شاهدة على أن الرهان على استنزاف الخصم القوى قد ينقلب إلى دمار شامل.
ويبقى السؤال الجوهري: هل ما فعلته إيران عملية محسوبة ضمن استراتيجية رد مدروسة، أم اندفاع جنونى بلا حسابات؟.. أو ربما مدفوعة بحافة «يأس سياسي» بعد تعثر مفاوضات جنيف، وشعورها بأن الاستجابة للشروط الأمريكية تعنى ركوعاً واستسلاماً بلا حرب، وبين الاستسلام والمواجهة، اختارت التصعيد.
والآن تتجه الأنظار إلى واشنطن وتل أبيب، هل يكون الرد ضربة جراحية مركزة تستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية؟ أم حملة عسكرية واسعة تُعيد رسم خرائط المنطقة؟ أم تصعيداً محسوباً يجمع بين العقوبات والضربات المحدودة لتجنب حرب شاملة؟.
المؤكد أن الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق خطير، وأن أى قرار فى الساعات المقبلة قد يفتح باب مواجهة لا يمكن التنبؤ بحدودها أو نهايتها، وفى كل الأحوال لن تظل إيران كما هى الآن.
تجاوزت طهران الخطوط الحمراء بتوسيع نطاق الحرب، وفتحت فصلاً جديداً من تاريخ المنطقة، ولم تحسب أن المراهنة على كسر كبرياء القوى العظمى هى مقامرة كبرى، وقد يكون ثمن «جنون العظمة» هو الدمار والفوضى .. الساعات القادمة لن تحدد فقط مصير النظام فى طهران، بل ستعيد صياغة توازنات القوى فى المنطقة ..الشرق الأوسط الذى نعرفه بالأمس، قد لا نراه غداً.


حين تتحول الثروة إلى لعنة!
حرب الحسابات الخاطئة!!
المواجهة الأمريكية - الإيرانية





