د.أسامة الأزهرى يكتب: رمضان شهر الشفاعة

د.أسامة الأزهرى وزير الأوقاف
د.أسامة الأزهرى وزير الأوقاف


إن رمضان شهر الشفاعة؛ وفى هذه المسألة نود أن نُوسِّع الأفق، وأن نأخذ جولةً وسياحةً فى آفاق القرآن الكريم، وكلام النبى ﷺ، لنُعيد اكتشاف مقاصد الشريعة وحقائقها، بعد أن حجبتها لسنوات طويلة قراءات متشددة حجبت نورها الإنسانى والأخلاقى.

نريد أن نُدرك من جديد أن الشريعة: أخلاق وعلم، وإعجاز وهداية، وتشريع وتعبد، وتزكية للنفس، وصناعة للإنسان الراقى الذى يصنعه الله على عينه، كما قال سبحانه: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقال جَلَّ جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. أى أن المحبة، والود، والنورانية… كلها معانٍ أصيلة فى الشريعة.

رمضان وشرف الشفاعة

نقف اليوم مع حديث عظيم يُبيِّن هذا المعنى الجليل، عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أى رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعنى فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعنى فيه، قال: فيُشفَّعان» (رواه أحمد والبيهقى والطبرانى).

فى هذا الحديث بيان بديع؛ فالعبد فى رمضان مشغول نهارًا بتعظيم حرمة الصيام، ومشغول ليلًا بالقيام والتلاوة. فيجتمع له شفيعان عظيمان: الصيام والقرآن، ومن هنا كان رمضان بحق شهر الشفاعة.

معنى الشفاعة

الشفاعة معنى شريف وجليل؛ إذ يدرك الإنسان أحيانًا أن همته لا تكفى وحدها للسير إلى الله سير الكُمَّل، فيلجأ إلى أن يدخل على الله بصحبة المقبولين عنده، وبالأعمال العظيمة المرضية لديه، فالشفاعة أن تُضمَّ نفسك إلى مَن قُبلوا عند الله، فتُقبل بقبولهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾، ومن هنا نفهم سر التعبير فى سورة الفاتحة بصيغة الجمع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولم يقل: «إياك أعبد»، وكأن القرآن يعلّمنا أن ندخل على الله جماعةً، بصحبة الصالحين، لا فرادى. وقد جاء فى الحديث الشريف، حين قال رجل: «ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، ولكنى أحب الله ورسوله»، فقال النبى ﷺ: «أنت مع مَن أحببت»، فكانت هذه الكلمة من أعظم ما فرح به الصحابة بعد الإسلام.
الشفاعة بيد الله وحده

مع عِظم الشفاعة، يقرر القرآن أصلًا جليلًا: ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾؛ فالله وحده هو الذى يأذن بها، ويقبلها، ويردها، ولا يملك أحدٌ أن يشفع إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. فالشفاعة فضل ومنّة من الله، لا حقًّا مكتسبًا لأحد.

أعظم الشفعاء

أعظم الشفعاء على الإطلاق، هو سيدنا ومولانا محمد ﷺ، سيد الشفعاء؛ وقد ورد فى الصحيحين وصف الشفاعة العظمى يوم القيامة، حين تتجه الخلائق إلى الأنبياء واحدًا بعد واحد، حتى ينتهوا إلى النبى ﷺ، فيسجد تحت العرش، ويأذن الله له بالشفاعة، فيُقبل قوله، وتُرفع الكربة عن الخلائق. ومن هنا كانت محبته ﷺ بابًا عظيمًا من أبواب الشفاعة والقبول.

مَن أسعد الناس بشفاعة النبى ﷺ؟

سُئل النبى ﷺ: «مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟» فقال: «مَن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه». ولهذا كان الذكر بكلمة التوحيد بابًا عظيمًا من أبواب القبول، وهو أصل السير إلى الله، كما درج عليه الصالحون عبر تاريخ الأمة.

شفاعة الشهداء

ومن الشفعاء الذين عَظَّم الله شأنهم: الشهداء. فقد ورد فى الأحاديث أن الشهيد يشفع فى سبعين من أهل بيته، وأن الله يقبل شفاعتهم كرامةً لهم. وكل بيت قدّم شهيدًا دفاعًا عن الوطن، وعن الناس، وعن الأمن، فله بشارة عظيمة بأن هذا الشهيد يكون شفيعًا لأهله يوم القيامة.

وخلاصة القول أيها القارئ الكريم، إن رمضان شهر الشفاعة: فالصيام شفيع، والقرآن شفيع، والنبى ﷺ سيد الشفعاء، والملائكة، والأنبياء، والشهداء… كلهم بإذن الله شفعاء.

نسأل الله جَلَّ جلاله أن يجعلنا من أهل الشفاعة، وأن يقبل شفاعة الصيام والقرآن فينا، وأن يحشرنا فى زُمرة نبيه ﷺ، ومع الصالحين والعارفين وأهل القبول - آمين.