رؤى

أصلهـا ثابت

النائب عادل زيدان
النائب عادل زيدان


أقولها بفخرٍ واعتزاز وبصوت عال دائماً نعم أنا فلاحٌ ابنُ فلاح من قرية بيبان محافظة البحيرة وبالنسبة لى هذه ليست عبارةً تُقال فى اللقاءات بل حقيقةٌ أعتز بها، لقب مرتبط بهويتى لا أنفصل عنه، فالأرض بالنسبة ليا عمرها ما كانت مجرد مهنةٍ أمارسها، بل أصلٌ ثابت، وقيمةٌ عليا، ومدرسةٌ مفتوحة تعلّم من يعمل بها كل معانى وقيم الحياة.

الزراعة ليست عملًا فحسب، هى علاقة إنسان بأرضه، وجذرٌ يربط الحاضر بالماضى، ويصنع للمستقبل امتداده الطبيعى، من يعرف الزراعة، يعرف أن كل شىء يبدأ ببذرة، صغيرة الحجم، عظيمة الأثر.

فالبذرة تُدفن فى التراب، وتختفى عن الأنظار، لكنها تعمل فى صمت، حتى يأتى يومها فتشق الأرض وتعلن حضورها، وهكذا القيم فى حياتنا تُزرع فى العمق أولًا، ثم تثمر سلوكًا ومواقف.

فى الزراعة تعلمت أول قاعدة للحياة: ازرع فزرعك الطيب سيؤتى أُكُلَه ولو بعد حين، علمتنى الأرض انه لا خير يضيع، ولا جهد يذهب هباءً، قد يتأخر الحصاد، وقد تطول المواسم، لكن الأرض لا تخون من أخلص لها، ومن أدّى ما عليه بصدق، جاءه العطاء فى وقته، وربما جاءه مضاعفًا.
الزراعة علمتنى الصبر الحقيقى. ليست صبر العاجز، بل صبر الواثق العامل، نحرث الأرض ونحن نعلم أن المطر ليس بأيدينا، لكن السعى واجبٌ علينا، نسقيها، ونعتنى بها، وننتظر دون قلق، لأننا نؤمن أن لكل زرعةٍ موعدًا، ومن استعجل الثمرة قبل نضجها أفسدها، ومن صبر نال خيرها كاملًا، فحياتنا ليست سباقًا بل رحلة لذلك كان الصبر فى مدرسة الزراعة قوةً داخلية، لا ضعفًا، وثباتًا لا تراجعًا.

وتعلّمنا من الزراعة الوفاء، الوفاء للأرض التى تعطينا، وللمهنة التى نصونها، الأرض لا تحب الإهمال، ولا تثمر لمن يتقلب فى عزمه من يعتنِ بها، تفتح له خزائنها، ومن يخن عهدها، تُغلق أبوابها، وهكذا الحياة؛ الوفاء فيها سرُّ الاستمرار.

أما الإخلاص، فهو روح الزراعة وشرط بركتها، الإخلاص أن تعمل ولو لم يرك أحد، وأن تؤمن أن الله يرى جهدك قبل أن يراه البشر، الإخلاص هو الذى يحوّل الحبة الصغيرة إلى سنبلة ممتلئة، وهو الذى يحفظ للزرع خيره.

الزراعة تعلّم أيضًا التواضع، السنبلة إذا امتلأت انحنت، لا كسرًا بل تواضعًا، وهكذا الإنسان كلما ازداد خيرًا وعلمًا، ازداد خفضًا لجناحه، ومن تربّى على هذا المعنى، لا تغره المواقع، ولا تغيّره المناصب، لأنه يعرف أن الأصل فى الإنسان جذره، لا ظله.

الفلاحون ليسوا مجرد فئةٍ اجتماعية، بل هم ضمير الأرض هم الذين يصنعون الأمن الغذائى بصبرهم، ويثبتون أن العطاء الحقيقى يبدأ من الحقل، يعملون فى صمت، ويتركون للسنابل أن تتحدث عنهم. فى أيديهم أثر التعب الشريف، وفى قلوبهم عزة من يعرف قيمة ما يفعل.

حين أقول إننى فلاح ابن فلاح، فأنا أقولها باعتزاز القيم التى غرستها الزراعة فى نفسى: الصبر، والوفاء، والإخلاص، والتواضع، واحترام العمل، وإخلاص النية لله هذه ليست شعاراتٍ تُكتب، بل مبادئ تُعاش.

ستظل الأرض أصلًا ثابتًا، ما دام فيها من يزرعها بصدق، ويصونها بعهد، ويؤمن أن الزرع الطيب لا يضيع.

وأظل أرددها بفخرٍ لا ينطفئ: أنا فلاحٌ ابنُ فلاح والزراعة شرفٌ لا يُستبدل.