لم يكن أصعب ما واجهه المقاتل المصرى فى حرب أكتوبر هو لحظة العبور، بل سنوات الانتظار التى سبقته ست سنوات كاملة بعد 1967 عاشها الجنود فى حالة حرب بلا معركة؛ لم تُطلق فيها المدافع، لكن العقول لم تهدأ لحظة بدت سيناء هادئة فى نظر العدو، بينما كانت فى الحقيقة مزدحمة بعيون ترصد كل حركة فوق الرمال.
اقرأ أيضًا | من غزوة بدر حتى حرب أكتوبر.. أبرز أعظم 10 انتصارات في شهر رمضان
يقول اللواء الدكتور نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، إن الحرب عسكريًا تبدأ بإطلاق الرصاص، لكنها عمليًا بدأت قبل ذلك بسنوات، يوم قرر الجيش المصرى ألا يترك أرضه معنويًا، حتى وهو خارجها جسديًا. «لم تنسحب مصر من سيناء بالكامل، انسحبت القوات فقط… أما الرجال فبقوا هناك».
داخل الوديان، وفوق المرتفعات، وخلف طرق الدوريات، تحركت مجموعات الاستطلاع ليلًا واختفت نهارًا، تنقل معلومات دقيقة أعادت الثقة بعد النكسة. لم تكن تقارير عسكرية فحسب، بل كانت دليلًا على أن العدو ليس أسطورة كانت أول معركة نفسية تُحسم قبل إطلاق رصاصة.
ويؤكد سالم أن خطة العبور لم تُرسم على الخرائط وحدها، بل بُنيت على آلاف التفاصيل الصغيرة التى جمعتها عناصر الاستطلاع: موقع الدشم، زمن مرور الدوريات، اتجاه الهوائيات، وعدد الدبابات التى تتحرك فجرًا.
«لم يكن فى سيناء جبل واحد إلا وفوقه عين مصرية»، لذلك بدت الحرب مفاجئة للعدو، لكنها لم تكن كذلك للمقاتل الذى عرف أين يضرب قبل أن يتحرك.
هدوء ما قبل العاصفة
فى ليلة التاسع من رمضان لم يكن المشهد كما يتخيله البعض؛ الجنود يضحكون ويتبادلون النكات ويتحدثون فى أمور عادية، لكن خلف هذا الهدوء سؤال صامت: هل أنا مستعد ألا أعود؟ ويصف سالم شعورًا غريبًا انتاب كثيرين، رغبة مفاجئة فى توديع الأهل دون سبب واضح. لم تكن هناك أوامر، بل حدس مقاتل يشعر بأن اللحظة اقتربت.
كانت مهمته التسلل شرق القناة لمسافات عميقة داخل سيناء «لا اشتباك… لا إطلاق نار… فقط معلومات»، هكذا يقول، مشيرًا إلى أن أخطر مهام الحرب هى تلك التى لا يُسمح لك فيها بإطلاق رصاصة واحدة.
رجال خلف الخطوط
ويشدد اللواء نصر سالم على أن العمل خلف خطوط العدو لا يحتمل إلا رجالًا صُنِعوا على أعلى درجات اللياقة البدنية والصلابة النفسية.
الحد الأدنى المطلوب كان السير لمسافة 50 كيلومترًا عبر أراضٍ صحراوية وجبلية وزراعية، حاملين شدة قتال لا تقل عن 50 كيلوجرامًا من أسلحة ومعدات وذخائر وطعام ومياه.
أما تدريبات الجلد والتحمل فكانت تتجاوز طاقة البشر؛ العمل لأيام دون طعام أو مياه كافية، وضغوط مفاجئة تحاكى أقسى ظروف القتال.
ومن بين تلك التدريبات الإبرار بطائرة هليكوبتر فى عمق الصحراء بمؤن تكفى ليومين، مع السماح باستخدام حصة يوم واحد فقط - 750 جرامًا من الطعام ولتر مياه - وعدم المساس باحتياطى اليوم الثانى إلا بإذن من القيادة.
وكانت المجموعات تتحرك لمسافات تصل إلى 50 كيلومترًا، تراقب الهدف نهارًا وتتحرك ليلًا، ثم تخضع للتفتيش قبل العودة، وأى نقص فى الاحتياطى يعنى البقاء 24 ساعة إضافية وسط عدائيات وكمائن تدريبية قاسية.
يومك يا بطل
عن مساء الخامس من أكتوبر 1973، التاسع من رمضان، يروى سالم أن اتصالًا طلبه إلى خيمة القيادة، حيث استقبله قائد الكتيبة قائلًا: «إنه يومك يا بطل.. هل أنت جاهز؟» فجاء الرد: «تمام يا أفندم».
كانت المهمة خلف خطوط العدو على مسافة تزيد على مائة كيلومتر شرق قناة السويس، لاكتشاف حجم القوات المعادية وتسليحها وأنشطتها ومتابعتها، على أن يتم الإبرار قبل آخر ضوء من السادس من أكتوبر.
عاد إلى سريته، راجع استعداد مجموعته، وحدد توقيت التحرك إلى المطار، ثم جلس منفردًا يرسم بالقلم الرصاص تفاصيل التنفيذ على الخريطة: الإقلاع بطائرة هليكوبتر، الإبرار على بعد 80 كيلومترًا من منطقة العمل، قطع المسافة سيرًا خلال ليلتين، ثم الاستطلاع والمتابعة لستة أيام كاملة.
فى الموعد المحدد تحركت المجموعة إلى المطار لإجراء التنسيق النهائى. كان المشهد أشبه بخلية نحل، الجميع يعمل فى صمت وتركيز.
وفجأة هبطت قاذفة على الممر الرئيسى وقد فتحت المظلة الفرملية، وترددت الكلمات الحاسمة: «تم تنفيذ الضربة الجوية… لقد بدأت الحرب».
لا يتحدث سالم كثيرًا عن السلاح، بل عن المعنى. يؤكد أن مصر دخلت الحرب بقدرات أقل من إسرائيل، فى وقت ساندتها فيه أكبر دولة فى العالم بجسر جوى مفتوح، لكن الجيش المصرى امتلك الإرادة والعقيدة القتالية الراسخة. «فى العاشر من رمضان كان المقاتل يصوم ويقاتل فى الوقت نفسه… الإرادة هنا لم تكن تدريبًا عسكريًا فقط، بل يقينًا داخليًا».
ويشير إلى أن الاستعداد للحرب تم فى أعلى درجات السرية، وأن جبال سيناء لم تخلُ من عناصر الاستطلاع طوال ست سنوات، حتى أصبحت «كتابًا مفتوحًا» أمام القيادة العامة. وبرغم ما أُشيع عن استحالة اقتحام خط بارليف، نجحت القوات المسلحة فى تحطيمه خلال ساعات قليلة من بدء العمليات، وفرضت قوات الدفاع الجوى مظلة حماية منعت اقتراب الطيران الإسرائيلى من قناة السويس.
أكتوبر… منهج لا ذكرى
ويرى اللواء نصر سالم أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الحرب فى احتفال سنوى، فالقيمة الحقيقية ليست فى يوم العبور وحده، بل فى سنوات القرار والإعداد والتضحية.
«الأرض لم تعد بالشعارات، بل برجال عاشوا داخلها قبل أن يستردوها».. ويختتم حديثه بالتأكيد على أن العاشر من رمضان لم يكن معركة مصر وحدها، بل معركة أمة عربية متكاملة، شاركت فيها جيوش على الأرض ودعم سياسى واقتصادى واسع. «لم يبدأ النصر يوم العاشر من رمضان… بل فى اليوم الذى رفض فيه المقاتل أن ينتهى بعد الهزيمة».
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







