سعيد بنكراد
يعد اللّسان بداية الوجود ونهايته، إنّه «كينونة الإنسان» وشرط وجوده فى الأرض، وقد يكون هو منطلقُه ومثواه الأخير أيضاً، ففيه يولدُ المعنى وفيه ينمو ويتطوّرُ ويضمحلّ ويتلاشى ووفق ذلك لن يكون بديلا عن الأشياء والكائنات فحسب، بل هو السبيل الوحيد إليها أيضاً، فالعالم يستمدّ غناه وتنوّعه من الأداةِ التى تصفُه خارج امتداداتِه المباشرةِ فى العين التى تراه فلا وجودَ لإدراك خامٍ لا تُسنده المقولات، ولا وجودَ أيضاً لشيء لا معادلَ له فى اللّسان، بالحقيقة والمجاز، فالحسّ فى الأشياء ينمو ويزدهر فى العين حين تُسمّيه الكلماتُ وتُقابل بين حالاته.
فقد لا يموت الإنسان جوعا فى عالم لا يعرف لغته، ولكنّه لن يستكشف انفعالات النفس وأهواءها إلا من خلال لغة هى أداة الألفة فيها وذاك مصدرُ سلطة الكلمات وقدرتها على الدفع به إلى الفعل، «فلم يكن من الممكن حقا أن نموت من أجل قيمة مجردة تضم داخلها كلّ ما يُحيل على «الحرية»، أو أن نناضل من أجل «مُثل» عليا لو لم تكن هناك كلمات تجسدهما فى اللّفظ» (سابير) .
وهذا ما يجعل اللّغة وحدها هى الكاشفةُ عمّا يستعصى على العين فى عِيانها وبذلك عُدّت نافذة مضافةً للروح، فبها ترى وتسمع وتتحسّس، وبها تنتشى بنفسها خارج ملكوتها المحدود فنحن لا نتلمس وجود الأشياء فى ذاتها، إنّنا نتمثّلها فى كلمات هى مصدرُ «حقيقتها».
وهى صيغة أخرى للقولِ، إنّ الإنسان لا يوجد خارج العالم، إنّه لا يُدرك شرطَه من خارجه، إنّه موجود «فيه» ذلك أنّ «العالم ليس صورةً أو لوحة وليس فرجة موضوعة للتأملِ من خارجها» (فوتور)، إنّه يُبنى فى الوعى الذى يستهدف موجوداته.
إنّه بذلك ليس شيئا آخر غير ما تصفه اللّغة وتُسميه، فلن «يُصبح الآخر واقعيّاً»، فى حضوره وغيابه، إلا داخل التبادل اللّسانيّ، «فكلّ» فعلٍ كلاميّ» يفترض وجودَ لسان» (لونا فوتور)، فذاك معيار تحقّقه ومعيار تأليفاته الممكنة.
وقد يبيح لنا ذلك القولَ إنّ «اللغة لا تتحدّد من خلال أصواتها، ولا من خلال دلالاتها، إنّ محدّدها الأساس هو «القول» الذى يكشف عن الشيء، ما يمكّنه من الخروج من الكُمون إلى العيان» (لونا فوتور).
ومفاد ذلك، أنّنا نفكر داخل اللّغة ومن خلالها ووفق طريقتها فى التقطيع المفهوميّ، «فالنّاس يتكلمون كما يفكرون، ويفكرون كما يتكلمون» (هيردر).
استنادا إلى ذلك لن يكون الشّاهد على تعدديّة اللّغات هو اختلافَها فى التركيب وفى تسمية الأشياء والكائنات فقط، بل هو اختلافُها فى النظر إلى العالم فى المقام الأول فقد لا ننتبِه إلى الكلمات إلا عندما يكون وقْعها غريبا على الأذن لذلك «نسمع» فى الغالب الكلمات الأجنبية قبل أن «نفهمها».
وهذا معناه أنّ اللّغة لا تَستنسخ ما تقومُ بتمثيلِه، إنّها تعيدُ صياغتَه ضمن مُمكناتِ الثقافةِ وضمن ممكنات الإدراك الحسيّ فى الآن نفسه.
فلا أحد قادر على استعادة ما رأى كما وقع فعلا، ولا وجود أيضا لكلمات يمكن أن تصوغ مضامينها فى انفصال عما يأتيها من خارجها. فالعدم لا يُسمَّى ولا يُوصف، لذلك كانت الكلمات مشدودةً دائماً إلى ما تعيّنه أو تستثيره فى الذّهن، «إِنَّها تلتصِق بالأشياء، فهى أداة الكشف عن جوهرِها، ولكنّ الأشياء أيضاً هى الضَّامنة لسُمك الكلمات"(كيبيدى فارغا)، فهى الأساس الذى تقوم عليه طاقة التّعيين فيها وبذلك كان «معنى الشيءِ إحالةً على ماهيته، ولن تكون الماهية سوى مجموع ممكنات هذا الشيء» أيضا، كما كان يقول هسيرل.
وبذلك كانت هى الفاصلَ بيننا وبين ما يظل خارجنا، أى ما يوجد «خارج المعنى» إنّ اللّغة تجعلنا نرى ما لا يُرى ويُسمَع ويُشَم بحسّ العين أو الأذن الأنف(١)، فنحن لا نسمى الأشياء فحسب، إنّنا من خلال التسمية نكشف عن موقعها داخل تجربتنا إنّها بذلك قد تكون الشكلَ الرمزيّ الوحيد الذى يُمكننا من الإمساك الموضوعيّ بواقعنا، فلا شيء يمكن أن يستقر فى الذاكرة دون وجود بديل رمزيّ له «إنّ اللّغة لا تُمكّننا من التّعبير عن الحقائق المعروفةِ فقط، إنّها تساعدنا أيضاً على اكتشاف حقائق أخرى كانت مجهولةً لدينا"(أدام شاف).
ذلك أنّ «العلامة لا تجمع بين اسم شيء، بل بين مفهوم وصورة سمعية» (سوسير)، وهما عنصران يتشكلان فى النفس لا فى مادة الصوت. إنها بذلك تفتح العالم على ما يأتى من الذات المدرِكة لا من موضوع إدراكها فلا يشكل هذا الموضوع سوى مُثير عرضيّ يُغذّى العلامة ويـُمِدّها بعناصر التمثيل، ولكنّه لا يمكن أن يوجد إلا من خلالها «فالكلمة لا تدل على شيء، إنّها تدل على إنسان يفكر فى هذا الشيء» (فاليري).
ومن هذه الزاويّة أيضا كانت اللّغة مستودعا للذاتيّة، فهى الكوّة التى يُطل من خلالها المتكلّم على انفعالاته، ولكنّها هى شرط الموضوعيّة أيضاً، فمن خلال الكلمات نكتشف ما يوجد خارجنا ونستبطنه ونتداوله فيما بيننا.
«فالخطاب هو أداة التوسط بين الذات وغيرها، إنّه الحقل المشترك للتفاهم» (فوتور). فلا يُمكن اقتسام العالم مع الآخرين إلا استنادا إلى وجود تمثيل مشترك بينهم لأشيائه وكائناته.
إنّ إدراك العالم مبرمج بشكل سابق داخل اللّغة، فاللّسان الذى نتبناه يفرض علينا تقسيمات وتصنيفات من طبيعة ثقافيّة، وهو ما تكشف عنه صياغة الزمن والعدد والألوان، وهو ما يكشف عنه التركيب والدلالة والصوت فى لغاتنا أيضاً. فالعالم واحد عند جميع النّاس، ولكنّه مختلفٌ فى أشكال تمثيله الرمزيّ.
إنّنا نذهب إلى الآخر بالكلِمات، فبها نَصُدّه ونزجرهُ أو نستميله ونخطِب ودّه. فالمرءُ يتكلم من أجل الآخرين وضدّهم. «فمن يتكلّم لغة لا يعرفها إلّا هو، لا يتكلم فى واقع الأمر أيّ لغة» (غادامير).
تماما كما أنّ الذى لا يعرف سوى دينه، لا يعرف أى دين فى واقع الأمر. فما يصحّ من الأصوات أو الإيماءات هو ما يُثير انتباه السامع أو الرائيّ، أى ما ينتظم ضمن نسق دالّ.
وبذلك كانت القدرة على الكلام، هى القدرةَ على استثارة الحاضر، أو استحضار ما هو غائب عن العين. وذاك أيضا هو الشكلُ الأوليّ للتأنسن، فالعالم كان صامتاً قبل ظهور اللّغة.
وهو ما يعنى أنّ الحسيّ الماثلَ أمام العين عابرٌ فيها، فتمثّلاتُه فى الذّهن وحدها يمكن أن تكون بديلا عنه فى الذّاكرة: فـ «كلمة كلب لا تعُض» (أرسطو)، كما أن صورة الأفعى لا تعادل خطورة سمّها الحقيقيّ، والأسد مثال للشجاعة فى اللّغة وحدها.
وبذلك لم يكنِ «الفهمُ» امتلاكاً فعلياً لشيءٍ أو لكائن، بل هو استيعاب لمعناه كما يتحقق فى الكلمات. وتلك كانت قوة اللّغة وقدرتُها على تمثيل العالم وعلى الانفصال عما تقوم بتمثيلهِ أيضاً، فكلّ ما يُبنى فيها ينحلّ داخلها.
وتلك هى ميزة اللّسان على كلّ الأنساق التى يعتمدُها النّاس فى التّعبير عن شرطهم الفرديّ والجماعيّ، فهو الأداة الواصِلةُ بينها. إنّه النموذج البدئيُّ لكلّ النماذج (لوتمان)، فجميعُ الأنساق ثانويّة فى علاقتها باللّسان، لذلك كان وحده قادرا على تسميّةِ أشياء العالم، وكان قادرا على التّفكير فى قوانينِه، وفى قوانين غيره من الأنساق أيضاً. إنّه وفق ذلك «مفتاح الإنسان والتّاريخ، وهو السّبيل الوحيد إلى فهم القواعد التى يقوم عليها المجتمع أيضاً"(كريستيفا).
إنّنا نُودِع داخله أحكامنا وداخله تتبلور السلميّة التى نميز من خلالها بين الظواهر والمظاهر والانفعالات فى ثقافتنا. «ففى البدء كانت الكلمةُ»، فى لحظةِ «الخلقِ» الأولى، وفى سيرورةِ تأنسنِ «المخلوقِ» على حدٍّ سواء.
"إنّنا ننتزع الشّيء باللّغة من مآله ومن سياقه الزمنيّ لكى نمنحه اسما، وذاك ما يحوّله إلى جوهر قابل للتَّعْميم: سيكون هو ذاته دائما وفى كلّ مكان"(فارغا). إنّ التسميّة تصنيف وعزل وفصلٌ لهذا الشيء عن ذاك.
فما لا يُسمّى ولا يوصفُ معرّض للنّسيان. إنّ الطبيعة عمياء صمّاء دون كلمات تكشف عن بعضٍ من أسرارها.
فكلّ تمثّل ذهنيّ يُحيل فى واقع الأمر على ممكنات واقعٍ ينمو فى الافتراضيّ وحده إنّ اللّغة هى خلاصُنا من ربقة الطبيعيّ، ولكن لا خلاص لنا خارجها أيضاً.
إنّ التّجريد فيها ليس خلاصا من نُسخٍ بلا ضابط فحسب، بل هو فى المقام الأول تمثيل رمزى يمكّننا من رد المتعدد إلى ما يشكل وحدة فى الذهن، إنّه يتضمن الكثير من الصور، ولكنّه لا يتطابق مع أى منها.
إنّنا نتداول فى شأن العالم وأحواله من خلال النماذج، فهى التى تختصر كلّ موجوداته وتقلّص من أحجامها. لذلك كان اللّسان هو النموذجَ الأمثل من أجل ردّ النسخ إلى الأقسام، فمنها تستمد هويّتها.
إنّ ما تحتفظ به الذّاكرة من الوجودِ هو ما يمكن أن يستقر فى مفردات اللغة وتركيبها وصرفها ودلالاتها. فنحن لا نُدرك العالم من خلالها فحسب، إنّنا نُوسّع من مداه فى ذاكرتنا أيضاً.
فلا يمكن أن نعرف إلا ما يمكنُ أن يستقر فى علامات اللّسان، ولا يمكن أن نستحضر فى الذّاكرة إلا ما يمكن أن يحتلَّ موقعا ضمن خبرةٍ إنسانيّة دوّنتها الكلمات إنّ الإدراك حسيٌّ، أما التمثُّلُ فمفهوميٌّ. يقتضى الأول حضور الشيء أمام العين لكى تراه، أمّا الثانى فيقتضى غيابه لكى يُعاد تشكيلُه فى صورٍ ذهنيّة تستوطن المفاهيم وحدها. وذاك هو مصدر الرّمز فى حياة النّاس، «فلا وجود لرمزيّة قبل وجود الانسانِ النّاطقِ» (بول ريكور).
لذلك لم يصبح العالم مشاعا بين النّاس إلا عندما سمّته اللّغة ووضعته ضمن تراتبيّات ومعايير نقيس من خلالها كلّ شيء: الطول والقصر والحرارة والرطوبة والحدّة والفتور والانفعال والحب والكراهية.
فما يأتى من العالم «متّصل يدركه الحسّ باعتباره كليّة عديمة الشكل، ولكنّ الوعى الثقافى يقوم بتنظيمه وفق سلميّة تستوعب داخلها كلّ مظاهر الوجود، فالكبير مرتبط فى أذهاننا بالصغير والطويل بالقصير، والسعادة بالتعاسة"(كلينكنبيرغ).
وهذا معناه أنّ اللّسان وحده يمكّننا من الإمساك بحالات حزن النّاس وفرحهم وغضبهم، كما يمكّننا من التمييز بين الكريم والبخيل وبين الصادق منهم والكاذب أيضاً. إنّ الامتلاك المفهوميّ للعالم يقتضى الانفصال عن موجوداته بالضرورة.
ولن يتم هذا الانفصال إلا من خلال التفاعل الدائم بين ما يجذب الشّيء إلى النفس وما يصدّه عنها (كاسيرير)، لذلك كانت التسميّة امتلاكاً وسلطةً. إنّنا نؤول العالم استنادا إلى موقع موجوداته ضمن الخبرة الإنسانيّة كما تسميها الكلمات.
إنّنا نستعيد «حالات» الكائنات والأشياء بمنحها صفاتٍ تُشير إلى كلّ ما يشكّل ماهيّة المسمّى: الموت ليس رديفا للحتف، والوقت ليس هو الزمن، والجبل ليس هو العَلَم.
إنّنا نُدرج المعيَّن فى اللّغة استنادا إلى معارف تنتشرُ فى صفاته وحالاته فلا وجود لمرادفات دالّة على «حشو» بلا طائل، بل هى التعبير عن رغبة الإنسان فى القبض على حالات الأشياء من خلال الكلمات التى تعيّنها.
لقد امتدت سلطة اللّغة إلى الفعل ذاته، فالتسمية لحظة قارة فيها، أما الإبلاغ فيقتضى انخراطَ المتكلم فى كلامه، إنّه لا يبحث عن المعنى فى الكلمات، بل فى قصد السياق الإبلاغي.
ووفق ذلك كان «التلفّظ"(٢) نمطا فى حضور الذات فى ما تقوله وتعبّر عنه. لا يتعلق الأمر بانتقال من اللّسان إلى الكلام فحسب، بل هو أيضاً تحديد لموقف الذات من قولها، إنّنا نلتقط الآثار التى يتركها المتكلم فى كلامه.
إنّ الكلمات تعيش وتغتنى داخل وسطها الحسيّ، فالصوت الذى لا تدعمه إيماءات أو تعابير جسديّة أو توجّه قصده، ناقصٌ. إنّ المعنى ثابت فى الملفوظ، أما فى التلفّظ فقابل للتعديل الدائم إنّ اللّغة لا تُخبر فقط، إنّ القول فيها فعل، فبالكلمات نعِدُ ونتوعّد ونهدّد ونزجر(أوستين).
ووفق هذه الأحكام الأولية أيضاً، يمكن أن يرتبط الفرد فى المعيش اليوميّ مع الآخرين من خلال الضّمير المجهول «هُم» (on- they). فذاك شرط وجود هويّة جماعيّة يفرضها العيش المشترك يتخلى هذا الضّمير عن دوره النحويّ لكى يُصبح «رأياً»، ما يتداوله النّاس باعتباره حقائق لا يمكن للفرد الخروجُ عن سلطتها فمن خلال هذا الضمير يحضر جميع النّاس أمامى دون أن أرى واحدا منهم.
إنّه القوة الاجتماعيّة المجهولة التى تحدّد لنا ما نقوله وما نفكّر فيه، وهى التى تتحكم فى أذواقنا وفى مواقفنا وآرائنا. يتخلص الدازاين* فيها من الشرط الصعب فى أن يكون هو ذاته، ليُسْلِم قياده لدكتاتورية «الهُم»، لست أنا، «لقد مُنِحْتُ لنفسي، حسب هوى هذا الضمير، فأنا «هُم»، الآخرون الذين لا أعرفهم» (هايدغر).
وهناك من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ليجعل من اللّغة «سلطة السلَط» فلا خلاص لنا خارج ما تبيحه وتأمر به، أو تستهجنه وتنهى عنه.
إنّها بذلك «فاشيّة»، فى تصور بارث مثلاً. إنّها توهمنا بحرية الكلام، ولكنّها تفرض علينا صيغ القول ومقاماته فى الوقت ذاته.
فنحن لا نقول إلا ما تودّه كلماتها وتبيحه، ووفق ما يسمح به منطق صرفها وتركيبها. إنّها بذلك تُقلّص من مساحات الصّمت فينا، من حيث إنّها تشير علينا بــ «ضرورة» الكلام، ذلك أنّ الصمت الفاصل بين وحدات اللّسان ليس غيابا لمعنى أو غيابا لكلّ قول، إنّه فى واقع الحال تأمّل ورَويّة، أو هو موقف من السامع، إنّه ريبةٌ أو خوف منه أو تربّص به، إنّه ليس نفيا للكلام، بل قطيعة بين لحظتين داخله «إنّ السلطة تُرغمنا على الكلام لأنّها تخاف من صمتنا(٣)
وهى أيضا ما يجعل الـمذكر أقوى وأسمى من المؤنّث فى النحو والمخيال وفى الأدوار الاجتماعيّةِ؛ فإذا اجتمع فى الجملة صبيّ بآلاف النّساء «حُمل الكلامُ على التذكير»، لأنّ الأمر يتعلق بــ «ردّ فرع إلى أصل» وبذلك كان الأصل فى الصفاتِ هو المذكر، أما المؤنث فصيغةٌ لاحقة، إنّه مشتق منه أو يقاس عليه.
فأصل الطبيبة هو الطبيب، وأصل المعلّمة هو المعلّم، وكذلك الأمر مع الأستاذ والباحث والقارئ لذلك كان «تذكير المؤنث واسع جداً؛ لأنّه ردّ فرعٍ إلى أصل، لكن تأنيث المذكّر أذهب فى التناكر والإغراب» (ابن جني).
بل إنّ التمييز بينهما قد يتسرّب إلى أقدس المقدسات، حين يتعلق الأمر بوسْم اسم الله ذاته فلا يُمكن أنْ يكون الخالق فى ذاكرة النّاس ووعيِهم، عند النّساء والرّجال، هو الذى خلق الإنْسان على صُورته، إِلَّا مُذكراً بالضَّمير النحويِّ أوّلا، وبالصّفاتِ المذكّرة ثانيًا (أَسماء اللَّه الحُسنى)، واسْتنادًا إِلى العوالم الثقافيَّة التى يسْتثيرهَا فى نُفوس المؤمنين والـمؤمنات ثالثًا، فلا أحد من هؤلاء جميعا يقبَل أنْ يكون خالقُه امرأَةً. والحال أنّ الذى «ليس كمثلِه شَيْء» يَنفى عن نفسِه التذكيرَ والتّأنيثَ فى الوقت ذاتِه، لذلك قد لا يكون تذكيرهُ سوى موقف من المرْأة ذاتِها.
وتلك صيغةٌ أخرى للقول، إنّ اللّغة ليست أداة يمكن الاستعاضةُ عنها بأدوات أخرى، إنّنا لا نُلقى بها عندما تنتهى وظيفتها (غادامير).
إنّها أداةُ الأدوات، فبِها يرى الإنسان ويسمع ويُحسّ ويتلمس ويتذوق.
إنّ الصمتَ ليس خروجاً عن طوع الكلام، إنّه امتداد له (الصمتُ دلالة على الرضا أو على الخوف والتسلط أيضاً).
فلا يمكن إدراكُ كلّ الأحاسيس دون أن يكون هناك ما يعادلها فى اللّغة، فذاك شرط التداول فى أمرها ومن خلاله تُصبح مشتركة بين النّاس. فالأملس والخشن والضاجّ والصارخ والمرئيّ والحارّ والحلو، كلّها صفات للمنافذ الحسيّة، ودونها سيظلّ الحسّ صامتاً. إنّ النّاس يدركون وقعها من خلال الكلمات التى تُسميها.
وهذا معناه أنّ النّاس لا يسْتلهمون من وجودِهم الماديِّ سوى الواجهاتِ التى تُغطّيها كلماتُ اللّغة، فهى وحدها ما تحتفظ به الذّاكرة وهى ما يستوطِنُها، أما ما يَتبقى بعد ذلك فتَتَكفّلُ به الطبيعةُ وتُعيد إنتاجَه ضمن دورتِها اللامُتناهيّةِ.
واستنادا إلى هذه الذّاكرة تَتناسَلُ دلالاتٌ جديدةٌ لا يربطُها فى غالب الأحْيان أيّ رابطٍ بما نُسمّيه العالمَ «الواقعي»، أى بما يُفرزه عيشُ النّاس. فبالكلمات تتخذُ الأشياء شكلا، ومن خلالها تُصبحُ جليّةً فى الذّهنِ.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







