في قلب صحراء جنوب سيناء، وعلى هضبة أم عراك بمنطقة سرابيط الخادم، تكشف الصخور عن شهادات صامتة لحجاج مصريين عبروا الطريق قبل أكثر من ستة عشر قرنًا، نقوش دعائية بسيطة، لكنها تحمل حرارة الإيمان، وتعيد رسم خريطة طريق الحج المسيحي إلى جبل الشريعة، المعروف اليوم بجبل موسى.
كشف الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، عن اكتشاف ثلاثة نقوش صخرية بهضبة أم عراك في سرابيط الخادم، دلّ عليها الشاب مؤمن ربيع بركات ووالده من أبناء المنطقة، وقد خضعت النقوش لدراسة علمية دقيقة أكدت أنها كتابات تذكارية لحجاج مسيحيين مصريين كانوا في طريقهم إلى جبل الشريعة عبر طريق الحج المسيحي الغربي بسيناء، وهو طريق مستخدم منذ القرن الرابع الميلادي.

وساهم في قراءة النصوص وتحقيقها الدكتور جابر أحمد حافظ، المتخصص في الآثار المسيحية، حيث تبيّن أن النقوش تحمل صلوات وابتهالات تقليدية تعكس روحانية الرحلة.
◄ مضمون النقوش
اللوحة الأولى تضم سبعة أسطر من الأدعية، منها: «يا رب ارحم عبدك الخادم بسطروس صليب.. يا رب ارحم عبدك الخادم العبد الفقير جبالله بن داود واغفر له واذكره في ملكوتك».
أما اللوحة الثانية فتتضمن: «يا رب ارحم عبدك الخادم داود بن جورج واغفر له ذنبه واذكره في ملكوتك وتب عليه آمين.. يا رب ارحم عبدك الخادم مقار بن داود وأمه وامرأته واغفر لهم ذنوبهم».
بينما تحمل اللوحة الثالثة صيغًا دعائية مشابهة، تؤكد الطابع التعبدي للنقوش.
◄ تطور الحج المسيحي إلى سيناء
أوضح الدكتور ريحان أن الحج المسيحي كان يهدف إلى زيارة البقاع المقدسة واكتساب البركة والفضائل الروحية، غير أن الانطلاقة الكبرى لفكرة الحج إلى القدس وسيناء جاءت في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول (323–337م)، أول الأباطرة المسيحيين، الذي أوقف اضطهاد المسيحية.
وقامت والدته الإمبراطورة هيلانة بزيارة القدس، حيث دعّم الإمبراطور اكتشافاتها ببناء كنيسة القيامة، ثم امتدت الرحلة إلى الوادي المقدس في سيناء، حيث شُيّدت كنيسة صغيرة عند شجرة العليقة المقدسة وبرج لحماية الرهبان.
وفي عهد الإمبراطور جستنيان الأول أُدخلت الكنيسة ضمن حدود الدير الذي أُنشئ في الوادي المقدس تحت اسم دير طور سيناء، والذي عُرف لاحقًا باسم دير سانت كاترين، ولا يزال الداخلون إلى كنيسة التجلي يخلعون نعالهم اقتداءً بسيدنا موسى عليه السلام.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الرحلة إلى هذه البقاع تقليدًا راسخًا لدى المسيحيين من الشرق والغرب.
◄ طرق الحجاج عبر سيناء
يشير الدكتور ريحان إلى وجود باب في السور الشمالي الشرقي لدير سانت كاترين كان مخصصًا لدخول الحجاج قديمًا، ولا يزال يُستخدم بعد الصعود إلى جبل موسى، المعروف أيضًا بجبل الشريعة أو جبل المناجاة أو جبل سيناء.
وقد عرفت سيناء طريقين رئيسيين للحجاج: الطريق الشرقي بطول نحو 200 كم، للحجاج القادمين من القدس.
اقرأ ايضا| تفاصيل أول كنيسة في سانت كاترين سنة 330 ميلادية بجانب الشجرة المقدسة
الطريق الغربي للحجاج القادمين من أوروبا عبر الإسكندرية ثم نهر النيل، ومنه برًا عبر الصحراء الشرقية إلى القلزم (السويس حاليًا)، مرورًا بعيون موسى ووادي غرندل ووادي المغارة وسرابيط الخادم ووادي المكتّب ووادي فيران وصولًا إلى جبل الشريعة.
◄ نقوش أرمنية وشواهد إضافية
وفي السياق نفسه، أشار الدكتور ريحان إلى أن الباحث ميخائيل ستون أجرى مسحًا أثريًا عام 1979 لطريق الحج الشرقي، وكشف عن 55 نقشًا أرمينيًا تعود للفترة بين القرن الأول والرابع الهجري (السابع إلى العاشر الميلادي)، ومن بين هذه النقوش عبارات مثل «أنا ذاهب حول موسى» في إشارة إلى جبل موسى، وأخرى تقول «أنا رأيت القدس».

ويؤكد وجود هذا العدد الكبير من النقوش الأرمينية في الطريق الشرقي، مقابل غيابها في الطريق الغربي، كثافة الحجاج الأرمن القادمين من القدس إلى جبل سيناء.
◄ ذاكرة محفورة في الصخر
تكشف هذه النقوش عن بُعد إنساني عميق لرحلات الحج القديمة؛ فهي ليست مجرد آثار جامدة، بل رسائل شخصية دوّنها أصحابها طلبًا للرحمة والمغفرة. وبين صمت الجبال وامتداد الرمال، ما زالت صخور سيناء تحتفظ بأصوات حجاجٍ مرّوا من هنا، تاركين أثرهم شاهدًا على رحلة إيمان لا تزال مستمرة عبر القرون.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







