قضية ورأى

ثرثرة فارغة حول التجديد الدينى!

د.حسن على
د.حسن على


فى بيئة يسيطر عليها التخوين (من بعض العلمانيين) لمخالفيهم، أو التكفير(من بعض الإسلاميين) لمعارضيهم، وجدت العقول المبدعة نفسها مخيرة بين الانحياز لأحد الخندقين أو الصمت والهجرة.

لست سعيداً بهذا السجال الدائر عبر السوشيال ميديا بين التيارين العلمانى والسلفي، لأنه يؤجج صراع هويات بغيضاً، استنزف طاقة العقل العربى والإسلامى لعقود مضت، هذا السجال لم يكن فكرياً فحسب، بل تحول إلى «حرب صفرية» أدت إلى ضياع فرص هائلة للبناء المشترك، وبدلاً من البحث عن نقاط تلاقٍ (مثل: كيف يمكن للدين أن يدعم قيم العدالة والنزاهة ويرتقى بحياتنا)، انشغل الطرفان فى معارك استئصالية.

أضعنا ـ ولا نزال ـ نضيع آلاف الساعات فى برامج التوك شو وصفحات السوشيال، والمقالات الصحفية والبرامج الإذاعية للرد على «شبهات» العلمانيين أو «تخلف» المتسلفنين، بدلاً من صياغة عقد اجتماعى يحترم خصوصية المجتمع وتطلعاته للحداثة.

فى خضم هذا الصراع الصفرى المجنون تم شيطنة المصطلحات الدينية والسياسية وتفريغها من مضمونها، فالديمقراطية عند بعض الإسلاميين «كفر»، وعند غلاة العلمانيين أداة لإقصاء الدين من الدنيا، والتحلل من القيم الأصيلة، العلمانى لا يرى فى الشريعة سوى قطع يد (الحرامي)، ورجم (الزاني).

 على الجانب الآخر، عند بعض الإسلاميين المتعصبين تجد الشريعة نصوصاً لا تقبل التأويل المقاصدي. لسان حالهم يقول: (خذ النص كما هو، حرفياً دون اجتهاد فيه أو دعه)، النتيجة، ضياع فرصة أنسنة هذه المصطلحات الشرعية وتطويعها لخدمة الإنسان خليفة الله فى الأرض.
خذ مثلاً: هذا الجدل العقيم القديم (حول المرأة فى التصور الإسلامي) ، تجد العلمانيين من باب المكايدة يوسع لها حيزاً كبيراً مليئاً بالصراخ والمهاترات والعبث وبكائيات على حقوقها المهدورة دون قليل من الموضوعية والفهم، أو من باب السبوبة والتربح من جهات ليست فوق مستوى الشبهات أو تنفيذاً لصفقات سياسية، قضية المرأة فى التصور الإسلامى تراها تحتدم فجأة فى توقيتات معينة وغالباً ما يكون القصد منه الإلهاء. أو صناعة العداء وتمزيق الجبهة الداخلية وتهديد السلم المجتمعي.

بهذه الاستعلائية المُتبادلة من طرفى الصراع (علمانى وإسلامي) يناقشون السنة النبوية، العلمانى يضرب بالأحاديث تحديداً عرض الأفق حيث ينطلق عادة من نقطتين، الأولى،  تأخر التدوين،  يجادلون بأن السنة دُونت بعد وفاة النبى - بفترة طويلة، مما يفتح الباب (من وجهة نظرهم) للوضع والدسّ والقدح، والثانية قولهم بتصادم بعض الأحاديث مع العصر، ويجدون فى بعض أحاديث «الآحاد» أو التفسيرات التراثية ما يظنونه يتعارض مع العلم الحديث أو حقوق الإنسان، فيهربون من «تأويل الحديث» إلى «إنكار السنة» بالكلية كحل أسهل. أما الإسلامى فيرد على هذه المناوشات بمزيد من التكفير والعصبية والغضب دون أن يستخدم الحكمة والموعظة الحسنة اللتين أمر بهما القرآن الكريم.. وللحديث بقية.