حكايات: «طشة» الشربات البارد لا تتغير

من المانجا للماتشا.. تريند الـ «كنافة» لا يعرف المستحيل

تريند  الـ «كنافة» لا يعرف المستحيل
تريند الـ «كنافة» لا يعرف المستحيل


فى شهر رمضان المبارك، ارتبط صوت «طشة» الشربات البارد فوق صينية الكنافة الساخنة بلحظة الانتصار الأولى وتناول الإفطار مع آذان المغرب، فهى ليست مجرد حلوى موسمية، لكنها علامة مُميزة للشهر الفضيل.
لم يكن وجود الكنافة مجرد صدفة، بل وُلدت بأمر طبى وقرار سياسى، فالحكاية تعود إلى العصر الأموى، وتحديداً لمعاوية بن أبى سفيان، الذى كان يشكو من الجوع الشديد فى نهار رمضان، فابتكر له أطباؤه هذه الحلوى الغنية بالدهون والسكريات لتمنحه طاقة تدوم طويلاً، حتى عُرفت لسنوات بكنافة معاوية.
لكن الكنافة لم تجد موطنها الحقيقى إلا فى القاهرة الفاطمية حيث دخلت مصر كرسالة ترحيب شعبية بالمعز لدين الله الفاطمى عند دخوله المحروسة فى رمضان، ومن هنا تحولت من «حلوى النبلاء» فى القصور إلى طقس شعبى يتجمع حوله المصريون، يراقبون بذهول خيوط العجين وهى ترسم دوائر فوق الفرن البلدى، لتصبح منذ ذلك الحين «أيقونة» لا يكتمل شهر رمضان بدونها.
ولسنوات طويلة، انحصرت معركة الأذواق بين الكنافة بالمكسرات أو بالقشطة،  لكن فى الآونة الأخيرة، قررت الكنافة أن تخلع ثوبها التقليدى لتدخل معمل تجارب لا ينتهى.
بدأ الأمر كثورة هادئة حين ظهرت صينية الكنافة بالمانجو لأول مرة، وقتها، انقسم الناس بين مدافع عن «هيبة» الكنافة الكلاسيكية، وبين منبهر بهذا المزيج المنعش، لم ندرك أن المانجو كانت مجرد بوابة، انفتحت بعدها أبواب «التريند» على مصراعيها، لتتحول الكنافة من صنف حلويات إلى موضة سنوية ننتظر عرضها فى واجهات المحلات.
ويقول الشيف عصام - بأحد محلات الحلويات الشهيرة - إن الاختراعات فى أصناف الكنافة كانت لعدة أسباب منها: البحث عن الدهشة فى رمضان، وشيء يكسر روتين اليوم الطويل، وثقافة التريند، والرغبة فى تجربة اختراع الموسم ومشاركتها على منصات التواصل، وتطور الذوق، ولأن الجيل الجديد يبحث عن نكهات عالمية بلمسة شرقية أصيلة.
وداخل محله الصغير فى حى شبرا، يقف عم إبراهيم، الرجل السبعينى الذى قضى عمره أمام فرن الكنافة اليدوى، يبتسم بسخرية وهو يشاهد على شاشات الموبايل صور الكنافة الخضراء بالماتشا، والكنافة بالتارو. يقول بلهجة واثقة: «الكنافة يعنى ريحة السمنة البلدى وهى تنادى على الشربات، اللى بيعملوه ده كيكة متنكرة فى شكل كنافة، الزبون الأصلى لسه بيجيلى عشان يدوق طعم الكنافة الصح، مش عشان يتصور مع علبة ألوان».
على الجانب الآخر، نجد دعاء - صانعة محتوى - تترقب كل عام أول يوم رمضان لتجرب «اختراع الموسم»، وتقول بحماس: «الموضوع ليس مجرد أكلة، لكنها تجربة، الكنافة بالماتشا أو التارو،  تكسر المألوف، ليس هناك مانع من وجود  الأصل، لكن لماذا لا نتطور ونرى الكنافة بعيون عالمية»
ولم يعد الأمر يقتصر على الفواكه، فدخلت الشيكولاتة، والكراميل، وزبدة اللوتس، وصولاً إلى صراعات «الماتشا» والـ «بستاشيو»، وأخيراً الكنافة بالـ «تارو» وهو الاسم الأشيك للقلقاس، وتحولت الصينية البسيطة إلى «لوحة فنية»، يتبارى فيها صناع الحلويات لتقديم أغرب المسميات.
وفى زحام هذه الاختراعات يبقى هناك خيط إنسانى يربطنا بالأصل، ويظل البحث عن «صينية ست الحبايب» التى تفوح منها رائحة السمن البلدى هى الهدف الأسمى، فالاختراعات تمنحنا متعة التجربة، لكن يبقى الحنين للكنافة السادة أو بالقشطة.
إنها رحلة طويلة بدأت من أوانى النحاس فى شوارع القاهرة القديمة، وصولاً إلى العلب الفاخرة ونكهات الماتشا اليابانية، لكن فى النهاية، تظل الكنافة هى اللغة التى نتحدث بها جميعاً على مائدة الإفطار، وسواء كانت مغطاة بالقشطة البلدى أو بمسحوق الماتشا اليابانى، تظل الكنافة هى «خيط الوصل» الذى يجمعنا، ويصنع الذكريات ودفء التجمع العائلي.
 منى ماهر