هدية إبراهيم عبد المجيد لقراء «كنوز» على مائدة الرحمن

واحدة من موائد الرحمن بالقاهرة
واحدة من موائد الرحمن بالقاهرة


كل عام وأنتم بخير، اليوم هو ثامن أيام شهر رمضان المبارك، أسعدكم الله فيه بالخير والبركة، وأنقل لكم التهنئة بالشهر الكريم من الروائى الكبير إبراهيم عبد المجيد الذى سمح لصفحة «كنوز» بإعادة نشر قصة «مائدة الرحمن» من كتابه الممتع «حكايات ساعة الإفطار» الذى يضم 30 قصة رمضانية بأسلوبة المتفرد، فشكراً له، وها هى القصة التى يقول فيها : 
- تعود مرسى أن يتناول إفطار رمضان فى موائد الرحمن، حين انتشرت هذه الظاهرة فى سبعينيات القرن الماضى عندما كان صغيراً، كان أبوه يأخذه هو وأخيه وأمه الى مائدة بعيدة من بيتهم الكائن فى دير الملاك، يختار الأب مائدة قريبة من قصر القبة حتى لا يراهم صدفة أحد من الجيران .
وكان مرسى يسمع أمه تقول لأبيه: «يا خويا ليه مشحططنا كده، ما كل جيرانا بيفطروا فى الموائد زينا».
وكان أبوه يضحك ويقول: «حقاً.. دا ممكن حرامى يدخل ساعة الفطار يقشقش البيوت كلها» فترد الأم: «وتفتكر يعنى الحرامية مش عارفين.. عارفين بس كمان عارفين إن البيوت فاضية مافيهاش حاجة تنسرق»، ويضحكون جميعاً. 
مرت السنون ومرسى يتمنى ألا يكون يوماً من زبائن موائد الرحمن، تخرج فى الجامعة وصار فى شهر رمضان يرفض أن يذهب مع أبيه أو أمه إلى أى مائدة لكنه لم يجد عملاً يجعله يساعد أسرته فى الحياة ويُغنيهم عن ذلك، وحين وجد عملاً فى مدينة الإسكندرية، وبالصدفة كان انتقاله للعمل إليها قبل رمضان بأيام، وجد لنفسه مسكناً مع عدد من زملائه الأغراب فى منطقة القباري، حيث عمل فى إحدى شركات النقل هناك، كان قد تخرج فى كلية التجارة ولم يجد عملاً فى القاهرة فى الحكومة أو القطاع العام، كان كل عمل يُعرض عليه لا يزيد عن عامل فى محطة بنزين ومرتبه من التيبس «البقشيش» الذى يحصل عليه، أو جرسون فى مقهى وكذلك أيضاً مرتبه، كان يعرف أن هناك من زملائه من وجد عملاً فى بنك أو وزارة أو مصنع، لكنه أيضاً كان يعرف أن ذلك لن يتوافر له، فلا واسطة ولا محسوبية يمكن أن تفيده ولا رشوة يمكن أن تدفعها عائلة تقضى رمضان على موائد الرحمن. 
حين وجد شركة تعطيه راتباً ثابتاً وافق على الفور رغم أنها فى الإسكندرية، وشجعه أبوه قائلاً: «كويس خالص.. كمان أنت اسمك مرسى يعنى إسكندرانى.. وإن شاء الله فى الصيف نصيف عندك مرة قبل ما نموت».
أما أمه فقد خافت عليه جداً من بنات اسكندرية، وبالذات بنات بحرى، وقالت له : « يا ابنى انت شفتهم فى الأفلام شكلهم إيه.. استغفر الله العظيم .. دا أسهل حاجة عندهم المايوه». كان يضحك ويقول لها : «يا أمى دا كان زمان .. الدنيا اتغيرت وخلاص ما فيش فرق بين بنات بحرى وقبلى.. كلهم الحمد لله يا بالحجاب يا بالنقاب»، وفى نفسه كان يتمنى أن يأتى الصيف ليرى شواطئ هذه المدينة التى لم يزرها أبداً، ويرى النساء على الشواطئ بالمايوهات كما تقول أمه وإن كان يعرف أن ذلك لن يحدث، لكنه ظل على أمل حتى إنه سأل زميلاً له عن ذلك فانطلق يضحك ساخراً واعتبره أهبل أو مسكين، لكن زميله قال له أيضاً: «دا موجود لكن فى الساحل الشمالى والشواطئ الخاصة فى العجمى - مثلاً».
سأله بدوره : «يعنى إيه خاصة ؟» 
قال له : «يعنى تدفع مرتبك عشان تدخل.. وتقضى طول الشهر جعان»، ثم سكت لحظة وقال: «خلينا فى المهم».
ارتبك وقال: «يعنى إيه ؟» 
قال زميله: «يعنى حتفطر فين ؟ ليك قرايب هنا تفطر معاهم مثلاً ؟ إنت عارف رمضان يحب اللمة».
قال: «لا ماعرفش حد.. نفطر مع بعض». 
ضحك زميله وقال له: «يبقى انت زميل بجد.. حتيجى معايا موائد الرحمن».
أبدى له امتعاضه فقال زميله: «إسكندرية غير القاهرة.. هنا كل حاجة نضيفة.. وبعدين قرفان ليه كده ؟».
 لم يشأ أن يقول له إنه من غير المعقول أن يمضى عمره فى موائد الرحمن، سكت وترك نفسه لزميله يأخذه إلى الموائد، أول مائدة كانت فى بحرى قريبة من جامع سيدى المرسى أبو العباس وكانت بالفعل نظيفة، الطرابيزات طويلة فوقها مفارش بيضاء نظيفة، والأطباق ليست «صفيح» بل زجاج لامع نظيف، ودوارق الماء زجاج أيضاً والأكواب لامعة والملاعق مصقولة، لا شيء قديم أو قذر هنا، والطعام يُطهى بعيداً عنهم داخل المحل الذى يقيم المائدة، والذى ينقل الطعام فتيات صغيرات جميلات ونظيفات، وهواء البحر يطل عليهم، وصوت الموج يهدهد أعصابهم، ولا ضجيج فى الشارع مثل القاهرة، وكلما اقترب انطلاق مدفع الإفطار زاد الهدوء وصوت الشيخ القادم من جامع المرسى أبو العباس جميل يبعث على الطمأنينة، ما أجمل الإسكندرية، لن يعود إلى القاهرة أبداً.
انطلق مدفع الإفطار وارتفع صوت المؤذن من جامع سيدى المرسى، فترك المائدة التى صارت عامرة بالأكل والشرب، ووقف يصلى على سجادة طويلة فرشها صاحب المائدة إلى جوارها على الأرض، حين رأى هذه السجادة لم يسأل أحداً عن معنى وجودها، وقال فى نفسه أكيد هى للصلاة، والحقيقة أن صاحب المائدة وضعها لتكون مثل الحدود حول الجالسين، فإذا مرت سيارة لا تقترب منهم، كما أنها تعطى المكان جمالاً إضافياً، لم يكن من الصعب أن يولى وجهه ناحية القبلة، فجامع المرسى أمامه وهذا بابه، كما أن البحر فى الشمال خلفه، ولى وجهه الى الجنوب مائلاً إلى الشرق قليلاً ونظر حوله فلم يجد أحداً يقف يصلى معه. 
رأى زميله يبتسم وهو يشرب العرقسوس، قال لابد أن أحداً سيقف يصلى معه لكن لم يقف أحد، لم يكن ممكناً أن يتراجع، الله أكبر الله أكبر، وبدأ الصلاة ولا أحد يتقدم ليصلى معه، لم يكن أمامه إلا الاستمرار فى الصلاة وفى لحظة فكر فى أن ينهى صلاته بسرعة، لكنه استغفر الله وراح يصلى على مهل كما ينبغى، وما أن انتهى حتى رأى الجالسين على المائدة ينصرفون، لم يكن قد بقى فوقها إلا بقايا طعام متفرقة. 
نظر إليه زميله وضحك قائلاً: «بعد كده ابقى صلى بعد الفطار.. إنت عمرك ما فطرت فى مائدة رحمن ؟».. سكت كان الجوع يقرصه فى بطنه بشكل كبير، فمد يده الى دورق به عناب وشرب منه ثم قال : «الحمد لله.. والله عمرى ما شبعت زى النهاردة».. لكنه فى نفسه قرر ألا ينسى هذا الدرس فى الأيام القادمة. 

إبراهيم عبد المجيد
من «حكايات ساعة الإفطار»