يثير سؤال التبول قائمًا نقاشًا فقهيًا يتجدد بين الحين والآخر، خاصة مع حرص كثيرين على اتباع هدي النبي ﷺ في تفاصيل الحياة اليومية.
حديث حذيفة وفعل النبي ﷺ
الراجح عند أهل العلم أنه يجوز أن يتبول المرء قائمًا إذا كان المكان سهلاً غير مُشْتَدٍّ، ويأمن من ارتداد البول عليه؛ لما جاء في الصحيحين من حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: «انتهى إلى سُبَاطة قوم، فبال قائماً».
وقد أوضح العلماء معنى "السباطة"، فقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: "والسباطة: المزبلة، والبول فيها لا يكاد يتطاير منه كبير شيء، فلذلك بال قائمًا صلى الله عليه وسلم".
حديث عائشة رضي الله عنها
في المقابل، بيّن الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم، حيث قال: "ويدل عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا، فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ،
وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا ثَابِتٌ، فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تحريم..".
لماذا كان الجلوس هو الأفضل؟
مع بيان الجواز، يبقى أن الأفضل هو التبول عن جلوس؛ لأن هذا هو الغالب من فعل النبي ﷺ، وهو أستر للعورة، وأبعد عن الإصابة بشيء من رشاش البول.
كما قرر جمهور الفقهاء أن البول قائمًا لغير عذر مكروه كراهة تنزيه؛ لمخالفته غالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما يُفهم من إنكار عائشة رضي الله عنها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا، كما روى ذلك البخاري ومسلم.
ومن الأسباب التي ذكرها العلماء أيضًا ما قد يؤدي إليه القيام من انكشاف العورات أو تطاير النجاسة إلى الجسم والثياب.
وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على قبرين فقال:«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ».
وقال الإمام النووي رحمه الله في "المجموع": "قال أصحابنا: يُكره البول قائماً بلا عذر كراهة تنزيه، ولا يُكره للعذر، وهذا مذهبنا".
الخلاصة
تجمع النصوص بين بيان الجواز من جهة، والتأكيد على أن الجلوس هو الأفضل والأكمل من جهة أخرى، فالقيام جائز مع أمن ارتداد البول، لكن الجلوس أقرب إلى غالب هدي النبي ﷺ، وأبعد عن التعرض للنجاسة.

«الإيكاو»: الوقود المستدام ومصادر الطاقة النظيفة في صدارة حلول خفض الانبعاثات
حكايات من كيمت| السر المدفون.. كيف أعادت مقبرة حورمحب رسم تاريخ وادي الملوك؟
وزير الخارجية يستعرض برنامج مصر للإصلاح الاقتصادي الشامل







