"القلب يعشق كل جميل.. وياما شفت جمال ياعين، واللي صدق في الحب قليل، وإن دام يدوم يوم ولا يومين، إلا حب الله ملوش حدين، حد ما فيش غيره، ملا الوجود نوره دعاني لبيته لحد باب بيته واما تجلى لي، بالدمع ناجيته"
بهذه الكلمات التي كتبها بيرم التونسي، ولحنها السنباطي، لخصت أم كلثوم فلسفتها في الحياة الدينية والروحانية، فخلف النظارة السوداء والمنديل، كانت تختبئ شخصية فلاحة مصرية أصيلة، تنتظر شهر رمضان فتحيي الليالي بالذكر والإنشاد، وتقضي النهار " ست بيت"تشرف على مائدة الإفطار التي تجمع عليها الأحباب.

وفي رمضان، كانت فيلا أم كلثوم تتحول من مملكة للغناء، إلى بيت عيلة دافيء، فكانت كوكب الشرق التي تضيء سماء الفن، المشرف في مطبخها على أدق تفاصيل الطعام، ولعل أشهر حكايات هذا الشهر "الفتة الأسطورية" التي كانت تصنعها بيديها لأعضاء فرقتها.
ولم تكن أم كلثوم تكتفي بإعطاء الأوامر للطباخين، بل كانت ترتدي "مريلة المطبخ" فوق ثيابها الأنيقة، وتشرف بنفسها على إعداد الطعام.
اقرأ أيضا | مذكرات أم كلثوم

ومنذ فجر طفولتها، اعتادت كوكب الشرق أم كلثوم على صيام شهر رمضان، حيث بدأت صيامها في سن السابعة من عمرها، وأكدت أم كلثوم أنها حرصت من طفولتها على الصيام «من وأنا صغيرة كنت لازم أصوم كل يوم وبحرص كبير، لأني كنت شايفة إن اللي بيفطر في رمضان من غير سبب هيتعرض لحوادث كبيرة، وعدد كبير من الكوارث»، مشيرة إلى أنها اضطرت لذلك وفي نفس اليوم تعرضت لحادث، ما أكد لها هذا، وظلت تحكي الموقف كل شهر في رمضان.
وحكت أم كلثوم عن يومها في شهر رمضان، فقالت في حوار صحفي لها «بنحاول في رمضان ننظم وقتنا بين الشغل والعبادات، وبنطلع فيه أحسن ما عندنا، وبنستمر رغم ساعات الصيام».

وكانت أم كلثوم تستيقظ في رمضان وتجلس لدقائق حتى تستعيد وعيها، ثم تبدأ التفكير في مشاويرها لقضاء مصالحها، وتقضي ساعات النهار في قراءة القرآن، وتُحيي ليالي رمضان في بيتها بالتلاوة، وإذا كان لديها بروفات، تخرج إليها وتعود قبل الإفطار بنصف ساعة، قائلة: «كنت بحب فطاري يكون خفيف وعصير فواكه»، وبعد صلاة العشاء، تبدأ أم كلثوم في عملها، لترجع في السحور وتتناول الزبادي وتنتظر حتى صلاة الفجر.

طقوس أم كلثوم في رمضان
اعتبرت أم كلثوم شهر رمضان تميمة حظها، إذ عقدت أهم الاتفاقات على المستوى المادي والفني خلال هذا الشهر الفضيل، مضيفة: «له طقوس خاصة وكل حاجة فيه بتبقى الأفضل، وبيحصل لي إنجازات على مستوى الحياة والعمل»، إذ كانت تنتظره من عام لآخر لتحقق إنجازات جديدة، وكانت بلاتوهات التصوير والبروفات تحتضنها لأيام وشهور في شهر رمضان

عزومة الست
كان منزل أم كلثوم يشهد أكبر تجمع طوال أيام شهر رمضان الكريم، فكانت تحرص على أن تلتقي كل ليلة بجميع أفراد أسرتها على مائدة الإفطار، وتستقبل القادمون للزيارة من الريف، وتدعو بعض أصدقاءها إلى قضاء السهرة عندها.
كانت أم كلثوم تحرص على الاستيقاظ مبكرا في شهر رمضان، ولا تنسى قراءة القرءان الكريم والذهاب بعد الإفطار لبروفاتها الفنية، كما كانت تفضل أن تكون وجبة إفطارها خفيفة مثل العصير أو الفواكه، وفي السحور تتناول الزبادي وتنتظر حتى صلاة الفجر.

أغنية مستوحاة من خطاب وزير الأوقاف
استمعت أم كلثوم إلى خطاب عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وقتها، والذي كان يتحدث عن كيف اختلطت الرسالة الروحية بالمبادئ السياسية، وهنا أرست كوكب الشرق جزء من الخطاب إلى محمد محمود شعبان رئيس قطاع الإذاعة وطلبت منه أن يسمع الخطاب ويقول لها رأيه، وهذا ما حدث بالفعل حيث إنه في نفس اليوم طلب من الشاعر صالح جودت أن يحول هذه المعاني إلى قصيدة لتقدمها أم كلثوم، ولحنها رياض السنباطي في شهر، وبدأت البروفات بعدها واستغرقت ثلاثة أشهر.

15 ساعة عمل
بدأت أم كلثوم يومها الذي كانت تنتظره في أستوديو "46" الذي يحمل اسمها وكانت نشيطة جداً حيث بدأت في التسجيل في الحادية عشر صباحاً وسط مجموعة كبيرة من العازفين والكورال، وبعد 15 ساعة من العمل المتواصل انتهت من تسجيل "الثلاثية المقدسة".
ومن أشهر أغاني أم كلثوم الدينية، سلوا قلبي، ولد الهدا، نهج البردة، إلى عرفات الله، حديث الروح، الثلاثية المقدسة، القلب يعشق كل جميل، مجموعة رابعة العدوية الرضا والنور وعلى عيني بكت عيني، ويا صلاة الزين.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







