من بيان القرآن

مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ؟

علاء عبدالوهاب
علاء عبدالوهاب


الفتنة قد تكون من الله تعالى إذا شاءت إرادته، لحكمةٍ على المؤمن أن يتدبرها، وذلك مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال: لماذا لم يُرِدِ الله أن يُطَهِّر قلوب هؤلاء؟

والجواب، قولًا واحدًا: لأنهم منافقون!

ويستوى مع المنافقين الذين «يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ» من الذين هادوا، أولئك السماعون للكذب، الذين لم يكتفوا بالسمع، بل صدَّقوا ما سمعوا وألقوه بين الناس، وقد يكون المقصود هنا الأحبار أو غيرهم من اليهود الذين أصابهم الكِبْر، فامتنعوا عن حضور مجلس الرسول ، لكنهم كانوا يتطلعون لمعرفة ما يقول، إما ليتتبعوا أخباره، أو ليأخذوا حذرهم.

وعند الاحتكام إلى الرسول ، كانوا يقولون: إن حكم لكم بحكم يوافق أهواءكم فاقبلوه، وإن لم يحكم به فاحذروا أن تتبعوه وهنا مكمن الفتنة، واتباع هوى النفس، وهكذا تنفذ إرادة الله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾،

تمامًا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾.

إن سُنَّة الله نافذة لا محالة؛ فإرادته وحده سبحانه هى التى تقع، أما الناس فقد خلقهم، ومنحهم حق الاختيار، فهم قابلون للتطهر أو لغيره، وأيُّ الفعلين اختاروا فلن يقع إلا بعلمه وإرادته؛ فلا يكون شيئا غصبًا عنه سبحانه، حاشاه جل وعلا.

ومن ثم ابتدأت الآية الكريمة بخطاب النبى : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾.

فكلا الفريقين مفطور على قابلية الفتنة، فلا تحزن عليهم؛ إذ إن من يرد الله ضلاله لا يتعلّق به قلبك، ولن تستطيع هدايته أو نفعه بشىء لم يُرِده الله له، وكيف يُهدَون وقد فُتِنوا، أى اختُبروا، فرسبوا بإسرافهم فى الضلال والعناد؟ فلهم فى الدنيا فضيحة، وفى الآخرة عذاب شديد.