أيها السادة، مساء الخير. كل سنة وأنتم طيبون النهاردة وإحنا بنستقبل شهر رمضان، ابتدينا معاه رحلة جديدة من رحلات العمر؛ رحلة الروح والأشواق، رحلة الصبر، والجهاد، والتضحيات.
أيها السادة، فى بداية لقائنا هذه الليلة، يسعدنى أن أستضيف الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل، لا بصفته وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر فحسب، وإنما بصفته أحد علمائنا البارزين فى مجال الفكر الإسلامي.
كل سنة وأنت طيب يا دكتور عبد العزيز.
د. عبد العزيز: بالصحة والسلامة يا فندم.
أم كلثوم: أهلاً بكِ..
د. عبد العزيز: أهلاً بكِ.
أم كلثوم: فى شهر رمضان الكريم بدنا نوجه لك شوية أسئلة، وأرجو إنك تكون يعني.. آه.. يعنى صدرك رحب كده وتتقبل كلام المذيعة الجديدة دي، مش عارفة يعني.. يعنى هتعمل إيه معايا؟
د. عبد العزيز: يسعدنى- يا أفندم- أجيب عن أى سؤال تتفضلى بتوجيهه أهو.
أم كلثوم: أنا متشكرة جداً.. عفواً، فى تاريخ الإسلام، آه.. مين السيدة اللى لها أكبر أثر فى نفسك؟
د. عبد العزيز: آه.. هى السيدة خديجة زوج النبى عليه الصلاة والسلام وأم المؤمنين، وهى بذلك أمنا جميعاً، وهى أول من آمن بالنبى عليه الصلاة والسلام.
أم كلثوم: عليه أفضل الصلاة والسلام.. آه.. طيب.. آه.. حابب بقى إنك إيه؟ تدينا آه.. نموذج من آه.. جهاد السيدة خديجة.
د. عبد العزيز: الحقيقة لو جينا تصورنا الموقف الذى تلقت فيه حينما عاد إليها النبى عليه الصلاة والسلام من غار حراء وقد نزل عليه الوحي، وهو يقول: «زملونى زملوني».
هنا يمكن أن نتصور شيئين: إما سيدة مؤمنة، تقية، تصدق بهذا النبى الكريم وتثبت قلبه وتعينه على مهمته الكبيرة، أو نتصور موقفاً من مواقف الفزع؛ ولكنها كانت بتوفيق الله سبحانه وتعالى على الإيمان العميق، فإذا بها تذكر النبى عليه الصلاة والسلام -عليه أفضل الصلاة والسلام- من فضائل نفسه، وتقسم من أول الأمر على أن هذا الدين منصور وعلى أنه بخير، فتقول له: «والله لا يخزيك الله أبداً».
أم كلثوم: لا إله إلا الله!
د. عبد العزيز: فكأنما رأت مستقبل هذا الإسلام من أول آية نزلت فيه، ثم بعد هذا له: «إنك لتحمل الكل» -كل إنسان بيحتاج إلى عون أنت بتشيله- «وتقرى الضيف» -كل إنسان يجى لك يحتاج إلى طعام بتدى له- «وتكسب المعدوم» -كل إنسان يحتاج إلى أى نوع من العون لا تتأخر عنه- ثم تقوم له بعد هذا تعينه على نوائب الحق.
فهذا مشهد أول، ولم تكتفِ بأن تؤكد هذه المعانى بنفسها فى قلب النبى عليه الصلاة والسلام، وإنما تحاول أن تضيف إلى هذا التأكيد تأكيداً جديداً، وتذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلا على الإيمان، فإذا به يسمع من النبى عليه الصلاة والسلام هذا الحديث ويقول له: «أبشر، إن هذا هو الناموس الذى أنزل على موسى من قبل»، أى أنه هو الوحى الإلهى الذى جاء إلى الأنبياء السابقين. ثم بعد هذا يقول له ويقسم: «والله لتكذبن، والله لتخرجن، والله لتؤذين».
معنى هذا أن السيدة خديجة من أول الأمر علمت أن الإسلام سيقوم من ورائه البلاء والإيذاء والإخراج وترك الوطن، ومع هذا وقفت إلى جانب النبى عليه السلام -عليه أفضل الصلاة والسلام-. ويتعجب النبى عليه الصلاة والسلام: ليه يخرجوه من قومه؟ ليه يخلوه يسيب البلد؟ فإذا بورقة يقول: «ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عُودي، ولئن أدركنى يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً». فباستمرار الإنسان إذا كان على الحق لابد أن هو يقابل بالأذى، وبعد هذا الإيذاء يأتى نصر الله تبارك وتعالى، وما النصر إلا من عند الله.
أم كلثوم: يا سلام!
لأن السيدة خديجة فى أول الأمر لم تعلم فقط أن المسألة مسألة نبوة ومكانة، وإنما هو بذل وتضحية، ومن أجل ذلك وضعت كل مالها فى خدمة الإسلام وظلت تنفق من هذا المال حتى اضطر المسلمون بعد سنوات، أمام الضغط والطلب الشديد، إلى أن يعيشوا فى شعب بنى هاشم. وتقدرى سيادتك تتصورى هذه المجموعة الإسلامية القليلة وهى عايشة فى شعب بنى هاشم ثلاث سنين، لا الناس لهم طعام، ولا يقدروا هم يشتروا طعام، ولا يقدروا يشتروا ثياباً، حتى إن السيدات يعنى جفت أثداء الأمهات فيها.. ومبقاش فيها اى لبن تقدر ترضع الأولاد؟ لا.. ما بقاش فى ثياب عندهم، بقوا يأكلوا أوراق الأشجار، وهى صابرة مؤمنة محتسبة، لا يمكن أبداً إلا أن تعين النبى عليه الصلاة والسلام لتبتغى الجنة. وتأكيداً لموقفى هذا، فهنا نجد فى الواقع نموذجاً رائعاً لموقف السيدة المؤمنة من زوجها صاحب الدعوة الكبيرة، وهو موقف ينبغى على نسائنا وعلى أخواتنا جميعاً أن يسرن عليه ونحن فى معركة قاسية طويلة تحتاج إلى كل التضامن بين أبناء هذه الأمة، وأول ما يكون التضامن بين أفراد الأسرة الواحدة، ومن هنا يأتى دور المرأة المسلمة المؤمنة فى تثبيت المؤمنين المجاهدين.
أم كلثوم: طيب يا دكتور، إحنا يعنى آه.. سمعنا روائع عن السيدة خديجة، وده نموذج مما حدث فى مكة، فيا ترى فيه هناك من جهاد الصحابيات فى المدينة؟
د. عبد العزيز: يكفى أنه قبل الانتقال إلى المدينة أن نعلم أنه فى العام الذى توفيت فيه السيدة خديجة، وتوفى فيه عم النبى عليه الصلاة والسلام أبو طالب، هذا العام هو عام الحزن.. فكأن النبى عليه الصلاة والسلام لم يحزن وحده لوفاتها، وإنما كانت وفاتها حزناً عاماً للمسلمين جميعاً، لأنها لم تكن تحيا فقط لرسول الله عليه الصلاة والسلام وإنما كانت تحيا للمجتمع الإسلامى كله، وكان كل صغير يعتبرها أماً له وهى بنص القرآن الكريم «أم المؤمنين».
فبعد أن هاجر النبى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وجدنا نوعاً من الحياة يختلف بطبيعته عن الحياة فى مكة..
أم كلثوم: كيف؟
فى مكة كانوا هم عبارة عن مجتمع صغير فى داخل مجتمع كبير، والمجتمع الكبير بيسيطر على أقدار هذا المجتمع الصغير إلى حد كبير، أما المدينة فكانوا هم فى الواقع عبارة عن مجتمع هم القوة الفعالة اللى فيه، ومن هنا تعددت الجوانب التى يمكن أن تبرز فيها كفاءة المرأة المسلمة. فى مجالات العلم، لقول الله تبارك وتعالى عن نساء النبى عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}، فكأن عليهن واجب التعليم، هذا واجب أول.
أم كلثوم: أيوه.
وهنا تبرز شخصية السيدة عائشة أم المؤمنين وبنت الصديق رضى الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه، وهى التى سألها الصحابة فى يوم من الأيام عن أخلاق النبى عليه الصلاة والسلام، فقالت: «تسألون عن خلقه؟ كان خلقه القرآن».
أم كلثوم: يا سلام!
فلخصت أخلاق النبى عليه الصلاة والسلام فى كلمة واحدة هى كتاب الله، أن الرسول هو كتاب الله الحى الذى كان يسير بين الناس.
أم كلثوم: أحب أن تكلمنا عن المجاهدات مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى الغزوات؟
د. عبد العزيز: ألم تكن هناك فى المدينة من سيدة تتأخر عن الجهاد إذا كانت تستطيع إلى ذلك سبيلاً، يمكن أن نضرب لذلك أمثلة سريعة، ويمكن أروع هذه الأمثلة السيدة المجاهدة المؤمنة أم عمارة نسيبة المازنية.... هذه السيدة شهدت غزوة أحد مع النبى عليه الصلاة والسلام -عليه الصلاة والسلام- وكانت هى وزوجها وابنها، أى إن البيت كله خارج يجاهد مع النبى عليه الصلاة والسلام.
أم كلثوم: كل البيت كله مع بعضه؟
د. عبد العزيز: الأم والأب كلهم كانوا خارجين مع بعض، يمكن لها ولدين كمان. وكانت فى هذه المعارك تجاهد، ويقول عنها النبى عليه الصلاة والسلام: «ما نظرت أمامى إلا ووجدتها تقاتل دوني، ولا نظرت شمالى إلا ووجدتها تقاتل دوني». ثم قال لابنها: «رحمكم الله من أهل بيت».
وجرحت فى معركة أحد اثنى عشر جرحاً، منهم جرح غائر فى عنقها تلقته عن النبى عليه الصلاة والسلام -عليه الصلاة والسلام-. بعد ذلك.. كان كل ما طلبته من النبى عليه الصلاة والسلام بعد المعركة وبعد الجراح، قالت له: «يا رسول الله، ادع الله أن نرافقك فى الجنة»، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعلهم رفقائى فى الجنة». فقالت نسيبة رضى الله عنها وعن أهل بيتها: «ما أبالى ما أصابنى من الدنيا».
أم كلثوم: يا سلام! يا سلام! هو ده الجهاد! طيب يا ترى يا دكتور، هل استمر جهاد المرأة المسلمة بعد عهد النبى عليه الصلاة والسلام؟
د. عبد العزيز: استمر هذا الجهاد بعد عهد النبى عليه الصلاة والسلام ولا زال مستمراً للوقت الحاضر والحمد لله.. والحمد لله فى تاريخنا الإسلامى نجد هذه الروائع، والحمد لله، من الجهاد المؤمن. ولعل أروع الأمثلة على ذلك ما حفظه لنا التاريخ عن الخنساء، وهى كما نعلم جميعاً؛ كانت شاعرة مجيدة، وآه.. مات أخوها فملأت الدنيا عليه شعراً، ولكنها حضرت غزوة القادسية مع سعد بن أبى وقاص، وباتت فى الخيمة مع أبنائها الأربعة، معها أربعة أولاد تقدمهم للمعركة، وسهرت معهم ليلة المعركة تدعوهم إلى الجهاد فى سبيل الله، أم كلثوم: يا سلام
د. عبد العزيز: وتقول لهم: «يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين»، ثم تقسم لهم على أنهم أبناء أطهار: «والله الذى لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، وبنو أم واحدة.. سلام ما غيرت حسبكم، وما هدمت نسبكم»، ثم تذكرهم بقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فإذا ما جاءت المعركة فى اليوم التالى وخرج الأبناء الأربعة يتذاكرون ما قالت لهم أمهم المؤمنة فى هذه الليلة المباركة، فإذا بهم يتزاحمون على موارد الموت، وإذا بهم يستشهدون واحداً بعد واحد. وبعد ذلك نجد أنهم أشفقوا على أن يخبروها باستشهاد الأبناء الأربعة، فإذا بها تسأل: «هل تقبل الله هديتي؟» فيقولون لها: «اصبرى واحتسبي»، فتقول: «الحمد لله الذى شرفنى بقتلهم، وأدعو ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته».
أم كلثوم: يا سلام! يا سلام!
فى ختام هذا الحديث آه.. جرت العادة كده إننا نقول يعنى تحب تسمع إيه؟
د. عبد العزيز: والله يا فندم يعنى أنا هجاوب إجابة أعتقد إن أى إنسان كان حيجوبها، وهو إن تتفضلى سيادتك بأن تختارى من إسلامياتك لما تحبين فى هذا الشهر المبارك، ويعتبر هذا تقديراً للعالم الإسلامى كله.
أم كلثوم: دكتور عبد العزيز أنت نسيت إنى أنا مذيعة دلوقتى مانيش....
عبد العزيز: أقول إسلامياتك لأن لها مكانتها فى نفس كل إنسان.
أم كلثوم: شكراً.. الله يخليك.. أنا متشكرة جداً.
(ثم نستمع إلى أغنية الرضا والنور)
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







