فتحت أم كلثوم حوارًا سياسيًّا مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حول أحداث الساعة وتطورات الموقف.. وقفت أم كلثوم -لأول مرة- فى موقع الصحفى ووجهت منه أسئلتها إلى هيكل عن مؤتمر القمة العربية القادم فى الرباط وعن دور الأمم المتحدة فى أزمة الشرق الأوسط، وقد جرى الحوار بدون إعداد سابق وكانت أم كلثوم توجه أسئلتها وكان هيكل يجيب عليها مباشرة وقد قالت أم كلثوم بعد انتهاء الحوار: إن هيكل كان واضحًا وصريحًا كعادته دائمًا!
قالت أم كلثوم فى بداية الحوار السياسى مع هيكل أمام ميكروفون البرنامج العام: قبل أن أبدأ حديثي.. أحب أن أقول إن الصحافة اعتادت دائمًا أن تضعنى فى موقع الجواب وتوجه إليّ الأسئلة.. ولكننى فى هذه المرة أغير موقعى وأوجه الأسئلة إلى الصحافة.. والواقع أنها صدى للأسئلة التى تدور بأذهان الجماهير فى الوقت الحاضر.. أولًا أريد أن أسأل عن مدى فاعلية الأمم المتحدة فى قضايا الشعوب.. وعن فاعلية دورها فى قضية الأمة العربية بالذات.

وأمسك محمد حسنين هيكل بطرف هذا الحوار السياسى وقال: بالنسبة لفاعلية الأمم المتحدة، فإنها لا تزيد عن الفاعلية الأدبية والسياسية والقانونية سواء كان ذلك فى قضايانا أو قضايا غيرنا من الشعوب، لأنه فيه النهاردة رأى عام فى الأمم المتحدة، الرأى العام ده يعبر عن نفسه فى موضوع العدوان، وأدان عملية احتلال الأراضى بالقوة، وأعطى أساسًا قانونيًا وأساسًا سياسيًا لعملية الانسحاب.. ولكن يبقى علينا وعلى غيرنا من الشعوب أنها قضايا نستطيع أن نحولها إلى حق له احترامه، وذلك بالنضال، إذا كنا سنناضل أدبيًا فقط معتمدين على الحق الأدبى والحق القانونى لن نصل إلى أى شيء.. إذن نعمل إيه؟ فيما يتعلق بنا الأمر كله يرجع إلى سؤال: نستطيع نقف قد إيه؟ نستطيع نقاوم قد إيه؟ نستطيع نحارب قد إيه؟
قالت أم كلثوم: هذا كلام حقيقى لأنه فى سنة 1948، الأمم المتحدة معملتش حاجة فى مشكلة اللاجئين، عشرين سنة مضت ومازال الناس كلها بتتكلم وبتحكى فى القضية دي، مجلس الأمن رفض إحالتها للأمم المتحدة، والأمم المتحدة ما عملتش ولا حاجة.. ثم كمان أن تكون هناك دولة أو دولتان يتحكموا فى مصير الشعوب وفى مشاكلها وفى قضاياها.. أعتقد أنها أصبحت مشكلة مصيرية.. وخصوصًا بالنسبة للشعوب الصغيرة.. والسؤال أيضًا: أليست هناك نهاية لهذا الوضع؟!
قال هيكل: لقد أثرتِ بهذا السؤال قضايا الدنيا كلها، لكننى أعتقد أن هناك فارقًا كبيرًا بين العالم العربى الآن والعالم العربى سنة 1948.. ورغم النكسة فإن هناك فرقًا جوهريًّا وأساسيًّا فى الصورتين.. وخصوصًا بالذات فى مصر، وبالنسبة لمصر، ولكن يمكن أحد يعترض على الكلام دا ويقول: ما احنا كنا مصر سنة 1967 من خمسة شهور حينما حدثت النكسة.. والواقع لازم نضعه فى صورته الحقيقية ونستفيد من كل ما جرى وما حدث.. والواقع أننى شبهت الذى حدث فى يونية الماضى تشبيهًا معقولًا، وأحد كان مستعد يعمل عمل وقادر عليه قدرة ذاتية، وعنده ما يمكنه من أداء هذا العمل، ولكن وهو رايح يعمله أصيب فى حادثة.. وأنا باعتبر اللى حدث فى الطيران، واللى حدث بعد كده فى سيناء عملية أشبه ما تكون بالحادث الطارئ.. وليست المقياس الحقيقى لقوتنا الذاتية.. ولكن هذا الحادث عارض ولا ينبغى أن يهدم كل ثقتنا بالنفس، وفى التغييرات التى حدثت فى العالم العربى فى سنة 1948 حتى الآن.
هناك الموضوع الثانى -وهو موضوع مهم-: هل العالم حينتظر رحمة قوة أو قوتين تقرران له الحرب والسلام.. فى رأيى أن هذا الوضع كان موجودًا تقريبًا فى كل فترات التاريخ.. وكان هناك دولة أو إمبراطورية مسيطرة بشكل ما.. ولقد رأينا فى التاريخ (السلام الروماني) يعنى فرض الأمر الواقع للإمبراطورية البريطانية.. الآن احنا موجودين فى عصر فيه دولتين أقوياء لكن هذا العصر بيدى فرصة الحركة للدول الصغيرة عن العصور السابقة.. حقيقى أن القوة موجودة عند طرفين فقط ولكن الطرفين ليس فيهم طرف واحد له الحرية المطلقة فى استعمال قوته، لأن القوة الذرية من القوى التى لا يمكن استعمالها بسهولة.. وهذا الوضع أعطى المزيد من حرية الحركة للشعوب الصغيرة.
قالت أم كلثوم: أرجو أن تتحرك الشعوب الموجودة فى الأمم المتحدة، وأن تثبت وجودها أمام القوة التى تمثلها دولة أو دولتين.
قال هيكل: الشعوب تتحرك فعلًا وتثبت وجودها أمام الدول الكبرى فى الأمم المتحدة، لكن المطلوب أولًا أن كل شعب بالنسبة لقضاياه يكون قادرًا على الوقوف والصمود للتحديات وللعدوان.. ما فائدة الأمم المتحدة لو كانت مصر على سبيل المثال قبلت الإنذار فى سنة 1956 وكنا استسلمنا...؟ لو أن الأمم المتحدة اتخذت مائة قرار بعد قبولنا الإنذار ما كانش فيه أى فائدة أو نتيجة.. شعب فيتنام النهاردة هو اللى بيقرر إلى أى مدى الشعوب تستطيع الوقوف لأنهم موش حيوقفوا معاه أكثر مما هو مستعد للصمود شخصيًا.
وقالت أم كلثوم: إذن ننتقل من الموضوع ده وعاوزين نتكلم فى مؤتمر القمة القادم.. هل هو تأكيد لمؤتمر القمة فى الخرطوم أو شيء آخر...؟
قال هيكل: فى الواقع أنتِ أجبتِ على السؤال.. هذا المؤتمر الاثنين فى بعض.. هو تأكيد لمؤتمر قمة الخرطوم من حيث إنه روح المواجهة العربية المشتركة للوضع اللى إحنا موجودين فيه، ومن ناحية ثانية فهو يعتبر استمرارًا لما بعد مؤتمر الخرطوم. مؤتمر الخرطوم أكد إمكانية وقوف العرب وصمودهم ثم اتخذ مجموعة من القرارات المهمة ومنها الوصول إلى اتفاقية بشأن اليمن، ثم حدد موقفًا معينًا فى إمكانية الحل السياسى وقال العرب: إننا لا نرفض الحل السياسي، ولكننا لا نقبل الاعتراف بإسرائيل، ولا المفاوضة أو الصلح معها، ولا التصرف فى القضية الفلسطينية لأنها ملك شعب فلسطين.
والآن العمل السياسى فى الأمم المتحدة، وفى غير الأمم المتحدة أنتج قرارًا معينًا ولو أن هذا القرار غامض، وغير كافٍ، ولكن ماذا بعد ذلك؟
قالت أم كلثوم: حقيقة هذا الموضوع يستحق المشورة بين كل الشعوب والحكومات العربية... قال هيكل: يستحق المشورة بالفعل أولًا نعمل فيه إيه؟ وثانيًا فيه إيه بعد كده؟ والمفروض قبل ما حد يتكلم، وقبل ما ندخل فى أى تفاصيل يكون عندنا تصور عام للتفاصيل اللى إحنا مستعدين نخش فيها، ثم إنها قضية لابد أن تكون مطروحة.. إذا لم ينجح الكلام مع ممثل يوثانت، وإذا ثبت نهائيًا أن مشروع قرار مجلس الأمن غير كافٍ لمواجهة المشكلة.. ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ وماذا يمكن أن يفعل العرب؟ لأنه ليس من المتصور إمكان الانتظار طويلًا بالوضع اللى إحنا موجودين فيه دلوقتي.. ويمكن القول إن المؤتمر الرابع فى الخرطوم كان مؤتمر سياسة، أما المؤتمر القادم فإنه مؤتمر سياسة وما بعد السياسة.
فقالت أم كلثوم: إذن المطلوب منا الآن هو العمل والصبر؟
قال هيكل: فعلًا مطلوب مننا العمل والصبر لكن الاثنين لازم يربطهم وضوح الرؤية.. والناس تكون عارفة وفاهمة ما هى الصورة.. وما هى عواقب الأمور...؟
قالت أم كلثوم: أعتقد أن كل العالم عرف وسمع وضوح الصورة من الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه الأخير.
قال هيكل: المسألة أننا لابد أن نحافظ على هذا الوضوح باستمرار.. الرئيس اتكلم من أسبوع أو عشرة أيام كلام واضح. وأنا بأعتقد أن الناس تأكدت فعلًا من إمكانية الخروج من الوضع الحالي.. ولكن المسألة كما قلت ضرورة متابعة هذا الوضوح بحيث إنه لا يظهر فى المناسبات فقط ويكون موجودًا دائمًا.
قالت أم كلثوم: وباستمرار..
قال هيكل: طيب خلصت الأسئلة.. وخلصت دور الصحفية.. قالت أم كلثوم: والله أنا كنت عاوزه أسألك كتير قوي.. قال هيكل: طيب تسمحى لى أمارس الدور الطبيعي.. وأعود إلى موقع الصحفي.. وسؤالي: كيف استطعتِ إلغاء الفارق بين السياسة والفن؟ أنا أعتقد أنكِ قمتِ بهذا الدور والواحد يحتار فى أعمالك.. إيه فيهم سياسة وإيه فن؟ إزاى قدرتِ تعملى كده؟
قالت أم كلثوم: فى رأيى أن الفن والسياسة توءمان.. يعنى مثلًا لما مصر أرسلت آثار توت عنخ آمون إلى باريس كان عملًا سياسيًا وعملًا فنيًا أيضًا، بمعنى أن الفرنسيين رأوا حضارتنا وتبادلنا معاهم الثقافة فى نفس الوقت وهذه هى السياسة.
قال هيكل: هذا المثال جزء صادق من الجواب على السؤال، وأنا باعتبر أن السياسة بتستعمل الفن.. زى ما السياسة بتستعمل الاقتصاد وأشياء أخرى.. لكن عملتِ حاجة تانية غير كده.. أقصد عملتِ توافق بين العمل السياسى والعمل الفني.. إزاي؟ قالت أم كلثوم: لا أبدًا، ليس لى دور سياسي.. ولكن يمكن دور مواطنة مصرية بتحب بلدها وبتعبر من خلال فنها عن وطنيتها.
قال هيكل: هذا صحيح وهذه إجابة معقولة على السؤال.. لأن السياسى هو أى إنسان تتعدى اهتماماته حدود مصلحته الخاصة، ويحس أن مشاكل الآخرين وقضايا الآخرين تهمه.. والعمل السياسى ليس منصبًا، إنما المنصب بيعطى للإنسان عندما يحس بقدرته على الخدمة العامة أكثر.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







