لم يكن الوقوف أمام ميكروفون الإذاعة غريباً على أم كلثوم؛ فقد شيدت من خلاله مملكتها الغنائية لكن المدهش هو تلك اللحظات التاريخية التى قررت فيها "الست" أن تستعير "فضول" المذيع، لتدير حوارات لم تكن مجرد دردشة إذاعية، بل كانت وثائق فكرية وسياسية ودينية.
حوارات رمضانية سنوية نرى فيها أم كلثوم وهى تتبادل الأدوار مع عمالقة عصرها؛ فتارةً تتحول إلى "سياسية بمرتبة مواطنة" أمام الأستاذ محمد حسنين هيكل، تسائله بلسان الجماهير المكلومة فى أعقاب النكسة عن "وضوح الرؤية" ومصير الأمة، وتارة أخرى تخلع رداء الرسمية لتشاكس رائد الرواية والتحرر إحسان عبد القدوس بذكاء "بنت البلد" التى لا تغلبها الحجة.
وفى محطة ثالثة، نراها تجلس فى حضرة وزير الأوقاف د. عبد العزيز كامل، لتغزل بأسئلتها خيوطاً من النور حول سير العظيمات فى تاريخ الإسلام، باحثةً عن القدوة فى زمن الانكسار.
فى هذه الحوارات الثلاثة، لم تكن أم كلثوم تسأل لتعرف هي، بل كانت تسأل ليعرف "الشعب"؛ فكانت نبرة صوتها تتلون بين المشاكسة الفكرية، والجدية السياسية، والإجلال الروحاني، لتثبت أن "الست" التى ملكت القلوب بصوتها، كانت تملك أيضاً عقلاً لا يقل حدة عن أعتى المحاورين.
كانت أم كلثوم عقلاً سياسياً وفكرياً حادا، كانت تمتلك "ترمومتراً" خاصاً للحوار؛ فهى تعرف متى تضحك، ومتى تحزن، ومتى تضغط على الجرح السياسي، كانت "صحفية بالفطرة"..
هنا نقرأ الحوارات الرمضانية الثلاث التى جرت أعوام 1967، 1968 ، 1969
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







