تنتشر ظاهرة الشهادات الجامعية غير المعتمدة، التي تُصدرها كيانات تعليمية وهمية أو تجارية في مختلف دول العالم، مستغلة ثغرات قانونية وإشكاليات في تنظيم قطاع التعليم العالي، حيث تشير بيانات هيئة تنظيم التعليم العالي في بريطانيا إلى أن نحو 8% من الشهادات المقدمة للفحص سنويًا لا يمكن التحقق من صحتها، ما يعكس حجم الخطر الذي يواجه الطلاب الراغبين في الدراسة بالخارج.
ويتم تسويق هذه الشهادات على أنها مؤهلات رسمية، ولا تقتصر المشكلة على بريطانيا، بل تمتد إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها، حيث ينشط سماسرة التعليم غير القانوني في بيع شهادات وهمية مقابل مبالغ مالية، مستغلين غياب الرقابة العابرة للحدود وضعف آليات التحقق الأكاديمي في بعض الدول.
◄ صعوبة التأكد من صحة الشهادات
وتوضح البيانات أن الضرر الأكبر يقع على الطلاب الذين يدفعون أموالهم وجهدهم مقابل شهادات لا تحمل أي قيمة قانونية أو تعليمية داخل أو خارج بلدها، بينما تستفيد بعض الشركات والكيانات التجارية من تسجيلها القانوني في نطاق ضيق لا يوفر اعتمادًا أكاديميًا حقيقيًا.

تُظهر بيانات خدمة التحقق من صحة الشهادات الجامعية فى بريطانيا، أن نحو 8% من الشهادات المقدمة سنويًا للفحص، لا يمكن تأكيد صحتها إما لصدورها عن مؤسسات غير معترف بها أو وهمية، وتضع الهيئة التنظيمية لقطاع التعليم العالى فى إنجلترا «مكتب شئون الطلاب» حدًا فاصلًا بين ما يُعد تعليمًا عاليًا معترفًا به، وما هو مجرد نشاط تدريبى أو تعليمى بلا غطاء أكاديمى قانوني.
وحسب التحقيق المنشور بجريدة الأخبار في عددها الصادر، أمس الأحد 22 فبراير، تم التواصل مع الهيئة عبر البريد الرسمى لها لمواجهتها بما رصدناه خلال التحقيق، لتؤكد أن منح درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه لا يُعد مسألة تسويقية، بل صلاحية قانونية لا تمتلكها إلا مؤسسات محددة، ولا تُكتسب بالتسجيل كشركة تجارية أو كمدرب، وإنما عبر اعتماد رسمى يخضع لتقييم مسبق قبل منحه أو رفضه.
◄ تضليل الطلاب
وتوضح الهيئة أن المؤسسات التى لا تمتلك صلاحيات منح الدرجات يمكنها «نظريًا» تقديم برامج تعليم عالٍ فقط إذا كانت الدرجة النهائية «مُجازة» أو «معتمدة» من مؤسسة مسجلة لديها، أما تقديم برامج تحمل مسميات أكاديمية دون هذا الغطاء، يضع المؤسسة خارج الإطار القانوني، مما يفتح الباب أمام تضليل الطلاب بشأن القيمة الحقيقية للمؤهل، وأن القانون البريطانى يتعامل بصرامة مع مسميات مثل جامعة وأكاديمى وتعليم عالى ومركز جامعى كألقاب «محمية قانونيًا» ولا يجوز إدراجهم دون موافقة رسمية، عكس كلمات مثل «كلية» أو» دولي».

ورفضت الهيئة التعليق على استغلال شركات تجارية لاختلاف المسميات التعليمية بالقانون البريطاني، مؤكدة أن تشديد القوانين أو تعديل الإطار التشريعى لمواجهة تجارة الشهادات، فى نطاق اختصاص الحكومة، مؤكدة أن استخدام التسجيل فى السجل البريطانى لمقدمى التعلم أو رقم مزود الخدمة التعليمية كأداة تسويقية توحي، صراحة أو ضمنيًا، بوجود اعتماد أكاديمى أو ضمان لجودة التعليم، يُعد ممارسة مضللة للطلاب، وفى مثل هذه الحالات، يملك مكتب شؤون الطلاب، بموجب اتفاقية الشراكة المبرمة مع هيئة المعايير التجارية البريطانية، صلاحية إحالة الجهات المخالفة إلى الهيئة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
وتنصح الهيئة البريطانية الطلاب الراغبين فى الدراسة بالخارج بالبحث فى سجلها الإلكترونى مما يمنحهم أداة تحقق حاسمة، تُمكّنهم من التأكد مما إذا كانت المؤسسة مسجلة، وما إذا كانت تمتلك صلاحيات منح الدرجات، فضلًا عن الاطلاع على وضعها التنظيمي، كما توصى باستخدام منصة «Discover Uni» للحصول على بيانات أكثر تفصيلًا حول البرامج والمؤسسات التعليمية.
◄ شهادات بلا قيمة قانونية أو تعليمية
وتشير إلى أن الإجراءات المتخذة بحق الجهات المضللة -حسب وصفها- تختلف باختلاف جسامة المخالفة، ففى حال كانت الجهة مسجلة لدى المكتب، قد تخضع لفتح تحقيق، أو تشديد الرقابة والمتابعة، أو فرض شروط تسجيل إضافية، وتصل العقوبة إلى فرض غرامات مالية، أو تقييد أو سحب صلاحيات منح الدرجات العلمية، أو إلغاء تسجيل المؤسسة، أما إذا كانت الجهة غير مسجلة، تُحال إلى هيئة المعايير التجارية البريطانية، لتتخذ بدورها الإجراءات القانونية المناسبة.

ويعقب عمر سالم، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، بأن الوضع الشرعى لهذه الكيانات فى دول مثل بريطانيا وأمريكا يتعلق بوجود ثغرة أو مساحة رمادية، عن طريق استخدام مسميات قانونية مسموح بها لبعض المراكز التعليمية، حيث يتيح لها القانون إطلاق تسميات مثل «أكاديمية» أو «إنترناشونال»، رغم أنها لا تتمتع بالوضع الأكاديمى الكامل الذى قد يوحى به هذا المسمى، ضاربًا مثالًا على ذلك بما هو معمول به فى مصر، حين يقوم فرد بإنشاء كيان يطلق عليه مسمى «أكاديمية» أو غيره من الأسماء التعليمية رغم أن الوضع القانونى فى حقيقته ليس كذلك.
ويشير إلى أن بريطانيا على سبيل المثال تحقق حكومتها عوائد مالية من تسجيل هذه الكيانات بشكل تجاري، فى حين يتم استغلالها تعليميًا خارج حدود المملكة المتحدة وليس داخلها، موضحًا أن هذه الكيانات لا تمثل ضررًا على المواطنين داخل بريطانيا، إنما الضرر الحقيقى يقع على المتعاملين خارجها خاصة الطلاب من الدول العربية، إذ تُصدر هذه الكيانات شهادات لا تحمل أى قيمة قانونية أو تعليمية بالداخل البريطاني، بينما يتم تسويقها على أنها مؤهلات ذات قيمة فى دول أخرى.
اقرأ ايضا| شهادات أجنبية مزيفة.. كيف خدعت الجامعات الوهمية الطلاب؟
بريطانيا ليست وحدها، فبحسب تقرير صادر عن شركة «Parchment» الأمريكية المتخصصة فى التحقق من الشهادات الأكاديمية، يصل حجم سوق الشهادات غير المعتمدة والمزورة بأكثر من 7 مليارات دولار سنويًا، ويشير التقرير إلى أن إحدى شبكات الاحتيال التعليمى الكبرى نجحت وحدها فى بيع أكثر من 8 ملايين شهادة غير موثقة خلال سنوات قليلة، لطلاب فى نحو 190 دولة، عبر كيانات تحمل أسماء جامعات دولية لا وجود أكاديمى فعلى لها.
◄ عروض شهادات بلا اعتماد
وتقدر منظمة خدمات التعليم العالمية (WES)، وجود أكثر من 2٫600 مؤسسة وشركة تقدم شهادات غير معتمدة حول العالم، من بينها أكثر من 1٫000 كيان فى الولايات المتحدة وحدها، والتى تحذر فيها لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) من انتشار واسع لما تصفه بـ«الدرجات الوهمية»، مؤكدة أن مئات الكيانات التعليمية غير المعتمدة تنشط حاليًا عبر الإنترنت، وتسوّق شهادات بكالوريوس سريعة مقابل مبالغ مالية، دون أى إشراف من جهات اعتماد رسمية وتستقطب غالبًا طالب من الخارج.

استكملنا البحث فى سجلات مجلس اعتماد التعليم العالي، ووزارة التعليم الأمريكية التى تعد الشهادات الصادرة من غيرها غير معتمدة، وبالبحث عن ثلاث كيانات روج لها السماسرة منهم «الجامعة الأمريكية الدولية» اتضح أنها ليست ضمن قوائم المؤسسات المعتمدة، وتسوّق نفسها كمصدر للتعليم عن بعد وتمنح درجات أكاديمية.
وتمتد الإشكالية إلى كندا وأستراليا التى لم تخل من عروض شهادات بلا اعتماد، إذ بحثنا عن «كامبريدج إنترناشونال كوليدج أستراليا» وهى إحدى الكيانات التى عرضها «سماسرة» للحصول على شهادة بكالوريوس، وكشفت مراجعة السجلات الرسمية أن المؤسسة غير مسجلة لدى هيئة جودة ومعايير التعليم العالى «TEQSA»، ومسجلة فقط فى السجل الأسترالى لمؤسسات ودورات الطلاب الدوليين وهو سجل حكومى يضم الجهات المسموح لها بتقديم الخدمات التدريبية للطلاب الدوليين، ولا يُعد اعتمادًا أكاديميًا.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







