شهادات أجنبية مزيفة.. كيف خدعت الجامعات الوهمية الطلاب؟

شهادات أجنبية مزيفة
شهادات أجنبية مزيفة


تنتشر ظاهرة الشهادات الأجنبية المزيفة، لتوسع غير مسبوق، مستغلة الثغرات القانونية في بعض الدول الأجنبية، وغموض آليات التحقق العابرة للحدود، لتصنع شبكة معقدة من الوسطاء والشركات التي تبيع مؤهلات وهمية للطلاب الراغبين في تعزيز فرصهم التعليمية أو المهنية.

وحسب التحقيق المنشور بجريدة الأخبار في عددها الصادر، أمس الأحد 22 فبراير، نكشف من خلال الرصد والتواصل مع بعض الضحايا من الطلاب، الذين دفعوا أموالهم وأعمارهم في برامج تعليمية غير معتمدة، كيف تحولت شهاداتهم في النهاية إلى أوراق بلا أي قيمة رسمية داخل مصر أو دوليًا، ما يعكس هشاشة الرقابة على التعليم الدولي الافتراضي وانتشار أساليب التسويق الوهمي عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

◄ ثغرات قانونية لإصدار شهادات بمسميات أكاديمية

 

رصدنا شبكة من الشركات التجارية فى الخارج، مدعومة بوسطاء داخل مصر، تستغل ثغرات قانونية فى بعض الدول الأجنبية لإصدار شهادات تحمل مسميات أكاديمية دون سند تعليمى أو اعتراف رسمي، وتعمل على تسويقها للطلاب تحت لافتة «التعليم الدولي»، مستفيدة من غياب الرقابة العابرة للحدود وضعف آليات التحقق من الشهادات، فيما يدفع الطلاب الثمن من أعمارهم ومدخراتهم، قبل أن يصطدموا برفض اعتماد شهاداتهم من الجهات التعليمية الرسمية.

خسر هيثم عامين من عمره فى جامعة منحته شهادة لم تسعفه فى تحقيق أحلامه فى العمل والسفر، وكذلك عانى خسارة مادية حين دفع لما يسمى بـ «ليفربول كولدج إنترناشونال» ألفى دولار أى ما يعادل حاليًا 100 ألف جنيه، ثم اتضح له لاحقًا أن الكيان البريطانى الذى درس فيه مع زملاء له ليس بجامعة وغير معترف به داخل مصر، ولا يمكن معادلة شهادته بحسب ما أخبرهم به المجلس الأعلى للجامعات رغم وجود أختام وزارتى الخارجية البريطانية والمصرية.

«كنت ساذج لما خدت قرار إنى أدرس فى مكان من غير ما أسأل»، بصوت يتخلله مشاعر الندم، قال هيثم إنه شعر بعد مرور عدة أشهر أن المواد التى درسها أشبه بدورة تدريبية بالإضافة إلى عدم تخصص الشارحين فى المواد بل إن المحاضرات كانت قصيرة فى موضوعات سطحية، لكن الرد من جانبهم دائمًا أن الجانب العملى هو الأساس رغم أن الدراسة «أونلاين».

 

◄ شهادة دولية قابلة للمعادلة فى مصر

 

لم يكن هيثم الوحيد الذى تقدم نحو جامعة وهمية، ففى بيت صغير بمحافظة الشرقية جلست مروة حسن تتأمل حديث الأقارب عن صعوبة الحصول على وظيفة، وأنه لم يعد بالساهل الالتحاق بمؤسسات ذات رواتب مجزية، والأفضلية دائمًا تكون لذوى شهادات التعليم الأجنبي، لتقرر حينها السعى للحصول على شهادة تدل على إجادتها للغات وتنال الأولوية المنشودة بناء على نصائح المقربين.

وفى منتصف عام 2022، بعدما أنهت مرحلة الثانوية العامة، جلست تتصفح مجموعات خاصة بالمنح التعليمية والجامعات بالخارج على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى ظهر أمامها إعلان عن برنامج تعليمى يمنحها شهادة البكالوريوس فى التخصص الذى ترغب فيه وهو إدارة الأعمال صادر عن كيان يحمل اسم «كلية كامبريدج الدولية» بمدة دراسة لا تتجاوز 18 شهرًا، دون الحاجة إلى السفر. 

الإعلان وعد الطلاب بشهادة «دولية» قابلة للمعادلة فى مصر برسوم أقل كثيرًا من الجامعات الأجنبية المعروفة، تواصلت مروة مع مسؤول الصفحة ليؤكد لها أن الكلية فى بريطانيا وتحمل أيضًا الاعتماد من جامعة أمريكية مرموقة، وأن شهادتها معترف بها فى جميع الدول، ورغم ترددها فى البداية بعد التشاور مع ذويها، حسمت قرارها ودفعت الرسوم على دفعات تجاوزت 1500 دولار.

 

◄  شهادات صادرة عن كيانات غير معتمدة

 

خلال فترة الدراسة، لاحظت مروة أنه لا يوجد اهتمام بحضور المحاضرات المقدمة بعد غيابها لمدة أسبوعين بسبب ظرف عائلي، وأن التفاعل الأكاديمى محدود، لكنها أقنعت نفسها بأن الهدف النهائى هو الشهادة، قائلة: «أنا ما اشترتش شهادة مزورة وعدونا إنها معتمدة «هذا ما وصلت إليه بعد انتهاء البرنامج وتسلمها الشهادة المزعومة، وبدأت أولى محاولات التقدم إلى وظيفة، لتُفاجأ برفض جهة العمل لشهادتها وطالبتها بمعادلة الشهادة أولًا داخل مصر، الأمر الذى تنافى مع وعود «كامبريدج» بأن أختام وزارة الخارجية البريطانية كافية.

 

اقرأ ايضا| تجار الأحلام.. مغامرة مع سماسرة الجامعات لخداع الطلاب

 

فى واقعة أخرى وأثناء تدقيقٍ روتينى بدا فى ظاهره إجراءً إداريًا لا يحمل مفاجآت، توقفت لجنة فحص أوراق المتقدمين لوظيفة محاسب بإحدى الشركات الكبرى أمام شهادة تخرج صادرة عن معهد «هارفارد إنترناشونال» لكن اللجنة لم تسمع عنه من قبل، ما دعى رأفت محمد، رئيس فريق الموارد البشرية بالشركة، للبحث عن ماهيته إذ تبيّن له أن الشهادة صادرة عن كيان غير معتمد أكاديميًا فى بريطانيا ولا يحظى بأى اعتراف.

يقول رأفت، إن هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تتكرر بصورة مقلقة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أنه قابل حالات كثيرة متشابهة لمتقدمين يحملون شهادات صادرة عن كيانات غير معتمدة، بعضها يتخفى خلف مسميات أجنبية أو مقار افتراضية توحى بوجود جامعات دولية، بينما هى فى الواقع غير معتمدة ولا تخضع لأى إشراف أكاديمي، وهو ما اكتشفه خلال بحثه وراء هذه المؤهلات ما جعله يتخذ احتياطاته فى كل مرة يراجع فيها ملفات المتقدمين للوظائف.

 

◄ وسطاء على مواقع التواصل الاجتماعي

 

«المشكلة تهدد سوق العمل، فيمكن أن يصل أشخاص غير مؤهلين إلى مواقع حساسة اعتمادًا على أوراق لا تعكس أى كفاءة حقيقية»، هكذا يرى رأفت، مؤكدًا على ضرورة تشديد آليات التحقق داخل الشركات والمؤسسات، وعدم الاكتفاء بالمظهر الخارجى للشهادة أو اسم الجهة المانحة.

دفعت هذه الوقائع مُعد التحقيق إلى تتبع الشركات والكيانات المانحة للشهادات من الخارج، من خلال التواصل مع سماسرة لها، وبدأت رحلتنا بالتواصل مع وسطاء نشروا إعلانات على صفحات متخصصة فى التعليم بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ رصدنا أكثر من 50 إعلان يستهدف الطلاب، بينهم 12 كيانًا يحمل اسم «أكسفورد» باختلافات بسيطة فى اللقب.

تواصلنا مع أحد ناشريها وهو «ياسر محمد» المقيم بالأردن، والذى قدم لنا عرض «الإثنين فى واحد» وهو عبارة عن بكالوريوس وماجستير بسعر شهادة واحدة من «مركز جامعة أكسفورد والجامعة الأمريكية الدولية»، قائلا: «الطالب لا يحتاج إلى دراسة، بيكّفى صورة شخصية وبطاقة هوية ودون مؤهل»، وأن الشهادتان تصدران مقابل 600 دولار تُسدد على دفعتين خلال 20 يومًا، معتمدتان من هيئة التعليم البريطانية وبعض النقابات المهنية فى بلد الطالب، مع إمكانية إضافة تصديقات أخرى عند الحاجة.

 

◄ أختام لشخص واحد رغم اختلاف التخصصات

 

وللتحقق من العرض، وافق معد التحقيق على استخراج شهادتين، إحداهما بكالوريوس فى الإعلام الرقمي، وأخرى ماجستير، ليُرسل لنا الوسيط نموذجين باسم «انترناشونال أوكسفورد كوليدج» مؤرخين فى 24 إبريل  2025 وعليهما 3 أختام وشعار الجامعة المزعومة، إحداهما فى الطب والأخرى فى إدارة الأعمال والتسويق، وكلاهما باسم نفس الشخص رغم اختلاف التخصصات.

«شهادات أجنبية مسجلة للبيع»، هكذا يعرض خالد عمار عبر «فيس بوك» بكالوريوس من أمريكا وبريطانيا وقبرص وتركيا وألمانيا وفرنسا، بأسعار تراوحت بين 3000 و3500 دولار حسب الدولة، كما ادّعى أن كل شهادة نظامية مسجلة ولها ملف كامل داخل الجامعة، وكأن الطالب درس سنوات كاملة، ويمكنه استخدامها للتقديم فى القطاع الخاص وتعزيز السيرة الذاتية، وإضفاء صبغة أكاديمية على المؤلفات والبحوث الشخصية.

وفى عرض آخر، تواصلنا مع «نور المحمدي» عبر واتس آب برقم دولي، والذى عرض شهادة بكالوريوس من «ليفربول كولدج» فى بريطانيا مقابل 4000 دولار، تٌدفع فى حساب «الجامعة» بشكل مباشر مع إمكانية تسديد المبلغ بالعملة المحلية للبلد بزيادة 5٪ لتكاليف التحويل، واستلام الشهادة بالبريد الإلكترونى بعد إضافة بيانات الطالب رسميًا فى نظام الجامعة.

للتأكد من تبعية هؤلاء الوسطاء مع الكيانات التى يروجون لها، تحدثنا مع «ليفربول كولدج» - كنموذج- مباشرة عبر رقم «واتس آب» على موقعها الإلكتروني، وعرفت الكلية نفسها عليه بأنها «منارة للتعليم الذى يتجاوز الحدود»، وردًا على أسئلتنا أكد أحد مندوبيها أن الدراسة بها متاحة فى أكثر من 213 تخصصًا، وتختلف القيمة المالية حسب التخصص وإذا كانت عن بعد أو مكثفة أو حضورية، وكذلك نوع الشهادة فى حال كانت أكاديمية أو مهنية.

 

◄ كليات ليس لها وجود في السجلات الرسمية

 

اخترنا تخصص الهندسة المدنية، ليخبرنا بأن أقل مدة للدراسة عن بعد فى هذا التخصص هى عام ونصف، وبعدها يمكن الحصول على الشهادة معتمدة من الجامعة ووزارة الخارجية البريطانية ومن الجهات المعنية داخل دولة الطالب بإجمالى 3700 دولار - وفقًا لما يدعى - وفى حال الرغبة باعتمادها من التعليم العالى البريطانى تكون بتكلفة إضافية 3000 دولار، كما يزعم أنها معتمدة فى بريطانيا بشكل رسمي، وتقدم مناهج متقدمة رافضة التحدث عن هوية هيئة التدريس.

تتبعنا سجل «ليفربول كولدج» فى النظام البريطاني، لنجدها فى سجل الشركات «»Companies House من عام 2024 فقط وليس 2012 كما هو مذكور بموقعها الإلكتروني، والشركة مرخصة باسم شخص مصرى الجنسية يدعى «م. أ. ع» - تحتفظ «الأخبار» بنسخة من وثيقة التسجيل-، بالإضافة إلى وجودها على السجل البريطانى لمقدمى خدمات التعليم «UKRLP» تحت مسمى «مزوّد تعليم أو تدريب».

عند مراجعة الجهات المسئولة عن اعتماد المؤسسات التعليمية، لم تظهر الكلية فى أى من السجلات الرسمية، فهى ليست مدرجة لدى مكتب شئون الطلاب البريطانى (OfS)، أو مكتب تنظيم المؤهلات والامتحانات «Ofqual» المسئولة عن اعتماد المؤهلات، وكذلك هيئة ضمان جودة التعليم العالي، كما لا ترتبط بأى جامعة بريطانية معترف بها تمنح درجات أكاديمية.