قبل أن تتلألأ شوارعنا بفوانيس رمضان، وقبل أن يصبح الضوء رمزًا للبهجة والاحتفال، كان المصري القديم قد منح النور قدسية خاصة، وجعله عنوانًا لانتصار الخير على الظلام، لم تكن المصابيح مجرد وسيلة للإنارة، بل كانت طقسًا وروحًا وفلسفة حياة امتدت جذورها لآلاف السنين.
ارتبط الضوء في وجدان المصري القديم بفكرة الخلق والبداية، فالشمس كانت رمز الحياة، والنور دليل النظام والعدالة في مواجهة الفوضى، ومن هنا، لم يكن إشعال المصابيح فعلًا عاديًا، بل ممارسة تحمل بُعدًا دينيًا وروحيًا عميقًا.

◄ توظيف الموارد الطبيعية لخدمة حياتهم اليومية
وقد أشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى ما عُرف بـ«عيد المصابيح»، وهو احتفال كانت تُضاء فيه الأنوار في البيوت والمعابد تكريمًا للآلهة. مشهد يبدو مألوفًا لنا اليوم، حين تتزين المدن بالمصابيح والفوانيس في ليالي رمضان، وكأن جذور الاحتفال ممتدة في الذاكرة الحضارية المصرية.
اقرأ ايضا| خاص | شوارع السيدة زينب تتألق بفوانيس رمضان
وتكشف مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة عن هذا الشغف القديم بالضوء؛ إذ يضم المتحف نماذج نادرة من المسارج الزيتية التي تعود إلى نحو 4000 عام قبل الميلاد.
تنوعت هذه المسارج بين الحجرية والفخارية، وكانت تُضاء بزيوت نباتية وفتائل من الكتان، في مشهد يعكس براعة المصريين في توظيف الموارد الطبيعية لخدمة حياتهم اليومية.
◄ استمرار تقاليد الإنارة وتطورها عبر العصور
لم تخلُ هذه المسارج من الحس الفني؛ فبعضها جاء بأشكال حيوانية مثل الضفدع، رمز الخصوبة والحياة، وأخرى تعود إلى العصر الروماني، ما يؤكد استمرار تقاليد الإنارة وتطورها عبر العصور، كما استُخدمت أوانٍ خاصة لحرق البخور في الطقوس، حيث امتزج الضوء بالعطر ليصنعا أجواء روحانية داخل البيوت والمعابد.

وإذا أردنا أن نلمس هذا التاريخ عن قرب، يمكن زيارة قاعة الحياة اليومية (34 علوي) بالمتحف، والتي طُوّر عرضها المتحفي بالتعاون مع السفارة الأسترالية، لتقدم صورة حية عن كيف صنع المصري القديم من الضوء فنًا، ومن المصباح رمزًا خالدًا لا ينطفئ.
هكذا، حين نحمل فانوسًا في رمضان، ربما نُعيد دون أن نشعر إحياء تقليد قديم، يؤكد أن النور في مصر لم يكن يومًا مجرد شعاع، بل كان رسالة حضارة.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







