حكايات| مسجد السيدة زينب قبلة الروح المصرية في رمضان

مسجد السيدة زينب
مسجد السيدة زينب


مع حلول شهر رمضان، تتجه القلوب إلى رحاب مسجد السيدة زينب، حيث تمتزج أجواء الإيمان بعبق التاريخ، وتتعالى الأدعية في مقام حفيدة الرسول ﷺ التي باركت أرض مصر بدعائها الشهير: «نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله».

هناك، في قلب القاهرة، تتجدد الحكاية كل عام، وتتحول الساحات إلى فضاء روحاني نابض بالمحبة واليقين.

- بركة الدعاء وبداية الحكاية

يروي الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن الصحابي الجليل مسلمة بن مخلد الأنصاري، والي مصر عام 47هـ من قبل الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، كان في استقبال السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، عقب استشهاد شقيقها الحسين.

دخلت السيدة زينب مصر في أول شعبان سنة 61هـ، واستقبلها أهلها استقبالًا مهيبًا حبًا في جدها المصطفى ﷺ، وأقامها الوالي في داره بالحمراء القصوى. لكنها آثرت الزهد، فاكتفت بغرفة واحدة للعبادة، تحولت بعد وفاتها إلى مقامها الحالي، وأوصت بأن يُحوَّل باقي القصر إلى مسجد، فكان ذلك نواة المسجد القائم اليوم.

ويذكر الدكتور ريحان أنها حين شعرت بدنو أجلها، طلبت إعداد مخدع لها تقرأ فيه القرآن، وأتمّت إحدى عشرة ختمة قبل وفاتها، ثم لحِق بها مسلمة بن مخلد بعد أحد عشر يومًا فقط.

- تطور المسجد عبر العصور

لا تُحدد المصادر التاريخية بدقة تاريخ إنشاء المسجد على القبر الشريف، غير أن والي مصر العثماني علي باشا جدده عام 951هـ/1547م، ثم أعاد تجديده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة 1171هـ/1768م.

وفي عام 1940، هدمت وزارة الأوقاف المسجد القديم بالكامل وأقامت المسجد الحالي، ولذلك فهو غير مسجل كأثر إسلامي. كان المسجد يتكون آنذاك من سبعة أروقة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، ويقع الضريح في الجهة المقابلة لجدار القبلة، محاطًا بسياج من النحاس الأصفر تعلوه قبة شامخة. وفي عام 1969 ضُوعفت مساحته لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين.

- مكانة روحية وموروث شعبي

يحتل المسجد مكانة خاصة في قلوب المصريين، ويُعد من أهم مراكز الطرق الصوفية ومريديها. وفي شهر رجب من كل عام، يشهد مولد السيدة زينب احتفالات كبرى يتوافد إليها الآلاف، فتتحول المنطقة إلى ساحة إنشاد وابتهال.

وقد خلد الأديب يحيى حقي المكان في روايته الشهيرة قنديل أم هاشم، حيث جسدت الرواية ارتباط أهل الحي بزيت القنديل المضاء في المشهد، تبركًا واستشفاءً، في دلالة على عمق حضور المسجد في الوجدان الشعبي.

- ميدان السيدة زينب.. من «خط السباع» إلى قلب القاهرة

كان الميدان في العصر المملوكي يُعرف باسم «خط السباع»، نسبة إلى قنطرة أقامها السلطان الظاهر بيبرس عام 658هـ على الخليج المصري، وزُيّنت برمز السباع شعار السلطان.

وبعد ردم الخليج عام 1898م اختفت القنطرة، وبرزت واجهة المسجد، ليحمل الميدان والحي بأكمله اسم السيدة زينب منذ نهاية القرن التاسع عشر.

ويجاور المسجد عدد من المعالم التاريخية، مثل جامع أحمد بن طولون، إلى جانب أحياء شعبية عريقة تشتهر بالمطاعم التقليدية وفوانيس رمضان، ما يجعل المنطقة مقصدًا لعشاق السياحة الروحية والتراثية.

- رمضان في حضرة السيدة

في ليالي رمضان، يتحول مسجد السيدة زينب إلى مشهد من نور؛ تتعالى أصوات التراويح، وتمتلئ الساحات بالدعاء، وتتشابك أيدي الزائرين رجاء البركة، وبين أروقة المسجد وقبته الشامخة، تتجدد الصلة بين المصريين وآل البيت، وتبقى «أم هاشم» رمزًا للسكينة والرجاء في قلب القاهرة، وعنوانًا لروحانية لا تخبو مع تعاقب السنين.