من الخديوي إسماعيل إلى فاروق الأول.. أسرار المدخل الملكي في مسجد الرفاعي

مسجد الرفاعي
مسجد الرفاعي


في ميدان صلاح الدين بحي الخليفة، يقف مسجد الرفاعي شامخًا في مواجهة مسجد السلطان حسن، في مشهد معماري فريد يجمع بين روعة الطراز المملوكي وفخامة عمارة القرن العشرين، هنا لا يقتصر الأمر على مسجد للصلاة، بل مقام تاريخي يحتضن قبور الأسرة المالكة، ويختزن بين جدرانه حكايات السياسة والعمارة والسلطة في مصر الحديثة.

 

◄ من زاوية صوفية إلى مسجد ملكي

 

يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن موقع المسجد كان يضم قديمًا «زاوية الرفاعي» حيث دُفن الشيخ علي أبي شباك الرفاعي، ومنه استمد المسجد اسمه، ثم نُسب لاحقًا إلى الشيخ أحمد بن علي الرفاعي المدفةون بالعراق.

بدأت فكرة إنشاء المسجد عام 1286هـ/1869م بأمر من خوشيار هانم، والدة الخديوي إسماعيل، التي أرادت إقامة مسجد كبير يضم مدفنًا للعائلة، أوكلت التنفيذ إلى حسين باشا فهمي، لكن العمل توقف عام 1880م بعد وفاتها عام 1885م، وظل المشروع معلقًا نحو 25 عامًا.

وفي عهد عباس حلمي الثاني، أُسند استكمال البناء عام 1905 إلى أحمد خيري باشا، الذي كلّف المهندس المجري ماكس هرتس باشا بالمهمة، فأنهى العمل سنة 1911م، وافتُتح المسجد رسميًا للصلاة عام 1912م.

 

◄ خوشيار هانم.. «الوالدة باشا»

 

خوشيار هانم، سيدة تركية الأصل وزوجة إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا، عُرفت بلقب «الوالدة باشا» في عهد ابنها الخديوي إسماعيل ، أقامت في قصر الدوبارة بجاردن سيتي، وتوفيت عام 1885م ودُفنت في المسجد الذي حلمت بتشييده، ليصبح لاحقًا مدفنًا رسميًا لملوك وأسرة مصر الحديثة.

كان ماكس هرتس باشا من أبرز المهندسين المعماريين في مصر أواخر القرن التاسع عشر، وتولى مسؤولية صيانة الآثار الإسلامية والقبطية، وكان أول مدير لدار الآثار العربية، حرص خلال استكمال المسجد على الحفاظ على التصميم الأصلي، مع تدعيم الجدران وتجديد العقود.

استخدم الذهب المستورد من إسطنبول، واستكمل الكتابات التي أعدها الخطاط عبد الله بك زهدي، وأتم ما بدأه خطاط القصر الملكي الشيخ مصطفى الحريري، كما زُوّد المسجد بنحو 240 مشكاة زجاجية مطلية بالميناء صنعت في بوهيميا، وزُينت بآيات قرآنية، إلى جانب الأبسطة التركية الفاخرة.

 

◄ عمارة تضاهي السلطان حسن

 

راعى المعماريون أن يجاري المسجد جاره «السلطان حسن» في العظمة والارتفاع. تبلغ مساحته الداخلية نحو 6500 متر مربع، خصص 1767 مترًا منها للصلاة، بينما استُخدمت المساحة المتبقية للمدافن والملحقات.

للمسجد منارتان على قواعد مستديرة، ومداخل شاهقة تحيط بها أعمدة حجرية ورخامية بتيجان عربية، وتعلوها قبب مزخرفة ومذهبة، أما المحراب فمكسو برخام دقيق تحفّه أعمدة بيضاء وخضراء، ويجاوره منبر مطعّم بالأبنوس والسن وخشب الجوز، تتلألأ مقرنصاته بالذهب.

 

◄ المدخل الملكي

 

يتوسط الواجهة الغربية مدخل ملكي فخم، وعلى يمين الداخل تقع مقبرة فؤاد الأول مكسوة بالرخام الملون، ويجاورها قبر والدته الأميرة فريال. كما يضم المسجد مقبرتي الشيخ علي أبي شباك الرفاعي والشيخ يحيى الأنصاري.

يحتضن الجانب الشمالي ستة أبواب تؤدي إلى حجرات المدافن، حيث يرقد الخديوي إسماعيل إلى جوار والدته خوشيار هانم، وعدد من زوجاته وأبنائه.

 

اقرأ ايضا| مسجدا الرفاعي والسلطان حسن في ثالث الزيارات التثقيفية لملتقى المرأة الحدودية

 

كما يضم قبور السلطان حسين كامل، وفاروق الأول آخر ملوك مصر، لتتحول أروقة المسجد إلى سجل حجري لتاريخ الأسرة العلوية، فُرشت المقابر بالسجاد الفاخر، وعلقت الثريات والمشكاوات، ووضعت المصاحف المذهبة والمباخر والشمعدانات الفضية، في مشهد يعكس مظاهر الفخامة الملكية.

 

◄ شاهد على تاريخ مصر الحديث

 

يبقى مسجد الرفاعي أكثر من مجرد مبنى ديني؛ إنه معلم يجمع بين روح التصوف وفخامة الحكم، ويجسد مرحلة انتقالية في تاريخ مصر من عصر الخديوية إلى الملكية، وبين جدرانه الموشاة بالرخام والذهب، تتجاور أصوات المصلين مع صمت التاريخ، في حضرة مسجد يروي سيرة وطن عبر قبور ملوكه.