إنهــا مصـــــــر

مصر حالة استثنائية

كرم جبر
كرم جبر


وعى الشعوب هو خط الدفاع الأول، وأهم أسباب قوة أى دولة أن يكون شعبها واعيًا بما يحاك فى الخفاء والعلن، ليس استدعاءً لنظرية المؤامرة، ولكن كُتب على مصر أن تكون محطًا للأطماع ومسرحًا للصراعات، واعتادت أن تعيش وسط أجواء التوتر، مستندة إلى عمقها الحضارى وصلابة مجتمعها.

تماسك المجتمع هو الركيزة الأعمق للأمن القومى، وعندما حاولت قوى فى الداخل والخارج شق الصف بين المسلمين والمسيحيين، انحاز المصريون لوطنهم وتصدوا للفتن، إدراكًا منهم بأن المواطنة هى الحماية الحقيقية للدولة، وأن الانقسام هو المدخل الأخطر لتفكيك الأوطان.

والقوة هى اللغة الوحيدة التى يفهمها العالم، والدول مثل الأفراد، لا يُحسب لها حساب إلا إذا كانت قوية وتفرض احترامها، وفى عالم السياسة لا مكان للعواطف، من يخشاك يعمل لك ألف حساب، ومن يستهين بك يستبيح مصالحك.

الانحناء أمام الفتن هو بداية السقوط ، وفى الشرق الأوسط، ازداد عدد الدول التى انحنت ظهورها تحت وطأة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، وتعددت حالات الانهيار، إما بغزو مباشر أو تآكل داخلى، قاده أبناء الوطن أنفسهم حين تحولوا إلى أدوات هدم لدولهم.

مصر حالة استثنائية فى المعادلة، ولا تعرف الانحناء طالما ظل شعبها متماسكًا، وملتفًا حول دولته باعتبارها الملاذ والمأوى، وكان المستعمر البريطانى منذ زمن يطبق عليها سياسة « لا تشبع ولا تجوع «، حتى لا تقوى ولا تنهار، خوفًا من دورها فى منطقة تُعد الأخطر فى العالم، من حيث التوازنات الجيوسياسية.
مصر فى قلب الشرق الأوسط، والمنطقة تستمد منها جزءًا كبيرًا من استقرارها أو اضطرابها، فإذا هبت فيها ثورة امتدت رياحها إلى جوارها، وإذا نهضت ثقافتها أضاءت العقول، وإذا انتصرت انتقلت العدوى إلى محيطها، ولهذا كانت دائمًا هدفًا لمحاولات الاحتواء أو الإضعاف.

والزعامة المصرية كانت مصدر إلهام عالمى فى لحظات تاريخية فارقة، جمال عبد الناصر، على سبيل المثال، تجاوزت شعبيته حدود الوطن العربى، وصار صوته يتردد فى الشرق والغرب، داعيًا إلى التحرر والكرامة، فتكالبت عليه القوى الاستعمارية، لاحتواء المد الثورى الذى هدد بنية النظام الاستعمارى.
اوقعوه فى هزيمة ١٩٦٧، لحظة إعادة تشكيل المشهد العربى وحوصِر المشروع القومى العربى، وتبددت أحلام الوحدة، ومنذ ذلك الحين أصبحت فكرة العروبة هدفًا مباشرًا لضربات سياسية وعسكرية وإعلامية، حتى جاءت موجة الإرهاب التى أعادت رسم خريطة الصراع فى المنطقة.

فهم اللحظة الراهنة يتطلب قراءة استراتيجية عميقة للمشهد الدولى والإقليمى، مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ورسم خرائط جديدة للقوى، عبر تدخلات خارجية وتحولات داخلية متسارعة، تجعل من الوعى الشعبى والصلابة الوطنية شرطًا أساسيًا للبقاء.