في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو رقمنة كل شيء وجدت المؤسسات العالمية في الذكاء الاصطناعي مخرج سينمائي لتبرير قراراتها بالاستغناء عن آلاف الموظفين، هذا ما كشف عنه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة Open AI، حين حذر من ظاهرة تبييض الذكاء الاصطناعي.
يرى ألتمان، أن هناك محاولة متعمدة لصبغ عمليات تسريح العمال التقليدية بصبغة تقنية مستقبلية، لإيهام المستثمرين والجمهور بأن الشركة تتبنى الكفاءة الرقمية، بينما الحقيقة تكمن في محاولة يائسة لإصلاح أخطاء استراتيجية ناتجة عن التوظيف المفرط وتضخم الهياكل الإدارية التي لا علاقة لها بالخوارزميات.
ووصف ألتمان هذه الممارسة بمصطلح "تبييض الذكاء الاصطناعي"، محذرا من أن هذا الخلط المتعمد يشوش فهم الجمهور للقدرات الفعلية للتقنية اليوم، ويخفي وراءه رغبة الشركات في خفض التكاليف الروتينية تحت غطاء الحداثة التقنية.
اقرأ أيضا| الولايات المتحدة ترفض بشكل «قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي
وأوضح ألتمان، في حديثه لقناة CNBC-TV18 على هامش قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند، أن هناك نوعا من التضليل الإعلامي حيث يلقى باللوم على الذكاء الاصطناعي في قرارات تسريح كان من الممكن أن تحدث لولا وجوده، وذلك رغم إقراره بأن التقنية ستبدأ في إحداث تغيير جذري وحقيقي في بنية الوظائف خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويستمد مصطلح «تبييض الذكاء الاصطناعي» معناه من مفهوم «التسويق الأخضر الزائف»، حيث تعمد الشركات إلى صياغة سردية توحي بأن تقليص القوى العاملة نابع من كفاءات تقنية مبتكرة، بينما تكون الأسباب الحقيقية أكثر تواضعا، مثل التوظيف المفرط خلال فترة الجائحة، أو تباطؤ الطلب الاستهلاكي، أو الحاجة لإصلاح أخطاء استراتيجية في الهيكلة.
وتكشف الأرقام الصادرة في مطلع عام 2026 عن فجوة كبيرة بين "السردية التقنية" والواقع الاقتصادي، فبينما شهدت الولايات المتحدة تسريح أكثر من 108 آلاف موظف في يناير وحده كأ أسوأ رقم منذ عام 2009، لم يذكر الذكاء الاصطناعي صراحة إلا في نحو 7,600 حالة فقط، بينما ظلت العوامل التقليدية مثل فقدان العقود وظروف السوق هي المحرك الأساسي.

وقد تجلى هذا التناقض بوضوح في حالة شركة "أمازون"، التي ربطت في البداية تسريح 30 ألف موظف بالتحول التقني، قبل أن يتراجع رئيسها التنفيذي آندي جاسي ليقر بأن السبب الحقيقي كان تضخم المستويات الإدارية وما وصفه بـ"الاجتماعات التمهيدية للاجتماعات التمهيدية".
اقرأ أيضا| خدعة الروبوت تحول قمة الذكاء الاصطناعي بالهند إلى أضحوكة| تفاصيل
ولم تكن شركة IBM بمعزل عن هذا المشهد المتناقض، فبعد أن أعلنت في عام 2023 وقف توظيف آلاف الوظائف التي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها، عادت بحلول عام 2026 لتعلن مضاعفة توظيف المبتدئين ثلاث مرات لنفس تلك المهام، ولكن بتوصيفات وظيفية جديدة تركز على التفاعل مع العملاء بدلا من المهام الروتينية.
وبالمثل، واجهت مايكروسوفت تدقيقا بعد تسريح 15 ألف موظف في عام 2025، حيث أقر ساتيا ناديلا لاحقا بأن إجمالي عدد الموظفين ظل ثابتا، مما ينسف الرواية القائلة بأن التسريحات كانت مدفوعة حصرا بالذكاء الاصطناعي.
وبينما يحذر قادة تقنيون من اختفاء وشيك لنصف وظائف "الياقات البيضاء" وأتمتة المهام المكتبية خلال فترة وجيزة، يطالب الاقتصاديون بتوخي الحذر في قراءة المشهد.
فقد أكدت دراسة لجامعة ييل عدم وجود تحولات كبرى في سوق العمل مرتبطة بالذكاء الاصطناعي حتى نهاية عام 2025.
وفي ظل هذا التضارب، تبرز استراتيجيات جديدة لشركات مثل "دروب بوكس" التي تراهن على الموظفين الأصغر سنا لقدرتهم الفائقة على تطويع التقنية، مما يشير إلى أن المعركة الحقيقية ليست في إلغاء الوظائف بقدر ما هي في إعادة تعريف الكفاءة وتصحيح المسارات الإدارية التي حاولت الشركات مواراتها خلف ستار الذكاء الاصطناعي.

أغنية غير رسمية تشعل المنافسة.. هل تخطف الأضواء من نشيد مونديال 2026؟
مخاوف صحية تسبق المونديال.. أميركا ترفع جاهزيتها لمواجهة الأمراض المعدية
الإيبولا يثير توتراً بين واشنطن وبروكسل قبل انطلاق كأس العالم






