«حكايات من كِمِت»

كيف نقل إيمحتب الهندسة من الطين إلى الخلود؟». د. مصطفى وزيري يكشف التفاصيل

عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري
عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري


مع أول أيام شهر رمضان المبارك، ينطلق برنامج «حكايات من كِيمِت» عبر قناة ومنصات بوابة أخبار اليوم، ليقدم تجربة إعلامية مختلفة تعيد قراءة الحضارة المصرية القديمة من منظور إنساني حيّ، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تختزلها في الملوك والمعابد وحدها.

البرنامج تطلقه الكاتبة الصحفية ومدير تحريره شيرين الكردي، ويقدمه عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري في إطار توثيقي مشوّق، يقترب من تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم: كيف عاش؟ ماذا أكل؟ كيف بنى بيته؟ كيف تزوّج وربّى أبناءه؟ وكيف صاغ منظومته القيمية والاجتماعية؟

في أولى حلقات البرنامج، يكشف الدكتور مصطفى وزيري عن واحدة من أهم اللحظات الفارقة في تاريخ العمارة الإنسانية تحت عنوان: «ثورة الحجر.. كيف نقل إيمحتب الهندسة من الطين إلى الخلود؟».

الحلقة لا تتناول مجرد بناء أثري، بل تسرد حكاية عقل استثنائي غيّر مسار التاريخ. إنه إيمحتب، أو كما يُنطق أحيانًا أمنحتب، الاسم الذي يعني «الآتي في سلام»، الرجل الذي لم يكن ملكًا، لكنه صنع مجد الملوك.

- مهندس الخلود

برع إيمحتب في الهندسة والطب والإدارة، وتدرج في المناصب حتى أصبح وزيرًا ومستشارًا للملك زوسر خلال الأسرة الثالثة، بلغت شهرته حدًا جعل المصريين في العصور المتأخرة يرفعونه إلى مرتبة الإله، ويعتبرونه رمزًا للحكمة والشفاء والهندسة.

وفي منطقة سقارة، تجلت عبقريته في تصميم هرم زوسر المدرج، أول وأقدم بناء حجري ضخم في التاريخ، بارتفاع يقارب 65 مترًا، مكوّن من ست مصاطب تعلو بعضها البعض.

لم يكن هذا المشروع مجرد تطوير معماري، بل ثورة حقيقية نقلت البناء من الطوب اللبن إلى الحجر، ومهّدت الطريق لظهور أعظم المشروعات المعمارية في التاريخ، وعلى رأسها أهرامات الجيزة.

- منظومة عمل متكاملة

تستعرض الحلقة براعة المصري القديم في التنظيم والعمل الجماعي؛ فقد كانت العمارة منظومة دقيقة تضم عمالًا، ومشرفين، ورؤساء فرق، ومهندسين.

كانت الجدران تُقسّم إلى مربعات قبل النحت لضبط النسب، وتُرسم النقوش باللون الأحمر، ثم يُصححها رئيس العمال بالأسود عند الخطأ، قبل أن تبدأ مراحل النحت بارزًا أو غائرًا ثم التلوين.

هذا النظام يعكس وعيًا إداريًا وهندسيًا متقدمًا سبق عصره بقرون طويلة.

- أدوات قياس وفلسفة بقاء

استخدم المصري القديم أدوات دقيقة مثل المسطرة، والزاوية، والشاقول لضبط استقامة الجدران، والحبال لقياس المسافات.

لم يكن البناء عشوائيًا، بل قائمًا على حسابات دقيقة ورؤية واضحة تؤمن بأن العمارة رسالة خالدة.

فالمقبرة كانت بيت الأبدية، والمعبد فضاءً للعبادة، وكل حجر وُضع بعناية ليصمد آلاف السنين، لقد آمن المصري القديم أن الإتقان طريق الخلود، وأن ما يبنيه سيحمل اسمه عبر الزمن.

- أسرار الألوان

كما تكشف الحلقة عن براعة المصريين في التلوين؛ فقد استخرجوا الأبيض من الحجر الجيري، والأحمر من أكاسيد الحديد، والأزرق من معادن مثل اللازورد والفيروز، وخلطوا الأصباغ بمواد عضوية لتثبيتها، فبقيت النقوش نابضة بالحياة حتى اليوم.

- لغز المقبرة المفقودة

ورغم عظمة إنجازاته، لم يتم الكشف حتى الآن عن مقبرة إيمحتب، ويُرجّح عدد من الأثريين أنها قد تكون في سقارة، وما زالت أعمال البحث مستمرة لكشف هذا اللغز الأثري الكبير.

«حكايات من كِيمِت» لا يتوقف عند سيرة إيمحتب، بل يفتح أبوابًا واسعة على تفاصيل الحياة اليومية في مصر القديمة: من البيوت والأسواق والمهن، إلى نظم الزواج والطلاق، ومكانة المرأة، وفنون الطعام والموائد، وأنواع الخبز والبقوليات، وطقوس الأعياد، وعلاقة الإنسان بالنيل والزراعة والطبيعة.

البرنامج يُعرض أسبوعيًا يومي الاثنين والخميس في تمام الساعة الثالثة عصرًا طوال شهر رمضان، ويُعد إضافة مهمة للمحتوى الثقافي والأثري، حيث يجمع بين الدقة العلمية والسرد الإنساني الجذاب، ليقدم الحضارة المصرية القديمة بصورة قريبة من الجمهور، نابضة بالحياة.

هكذا تبدأ الحكاية.. بعقلٍ صنع أثرًا، ثم نكتشف كيف صنع الإنسان حضارته يومًا بيوم.