«قيثارة السماء».. حين طوع الشيخ محمد رفعت «عقارب الساعة»

 الشيخ محمد رفعت
الشيخ محمد رفعت


لحظات الغروب في رمضان ليست مجرد وقت زمني، بل هى حالة خاصة، بطلها الأول صوت يأتي من قلب الذكريات ليطبطب على أرواحنا، صوت رخيم، مطمئن، صوت الشيخ محمد رفعت.

ليست مجرد تلاوة قرآنية، بل هو "المذاق المسموع" لرمضان، فبمجرد أن نسمع مستويات صوته وهو يرتل "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام"، تنهال الذكريات كشريط سينمائي قديم، تلك اللحظات التي يقف فيها الكبار قبل الصغار منتظرين صوت مدفع القرآن.

من عتمة البصر إلى نور البصيرة

لم يكن غياب البصر عائقاً، بل كان بوابة لفتح رباني، حين قرر والد الشيخ محمد رفعت، أن يهبه وهو طفل لحفظ القرآن الكريم، طبقا للأعراف التي كان يتبعها أهالي المكفوفين في ذلك الوقت، وعندما بلغ الصبي العاشرة من عمره أتقن تجويد القرآن وترتيله بالقراءات السبعة، على يد عدد من المشايخ، وفي سن الخامسة عشرة حصل على شهادة إجادة حفظ القرآن الكريم تجويدًا وترتيلاً وتلاوة، كانت فرحته لا توصف حينما التقطت أذنيه لأول مرة لفظ "الشيخ محمد رفعت".


في مرحلة شبابه لم يجد محمد رفعت سوى احتراف تلاوة القرآن الكريم في المناسبات ليعول أسرته، وكان الشيخ الصغير يرتجف من الداخل وهو يعلم أنه اللقاء الأول مع المستمعين والذي سيتحدد به مستقبله، فبدأ التلاوة وكان آهات الإعجاب من الحضور دليل القبول، فانطلق صوته يغزو الأسماع ويسحر القلوب.

كانت بداية الشيخ محمد رفعت الحقيقة من مسجد بشتاك، والذي عرف فيما بعد بمسجد مصطفى فاضل باشا، حيث عمل قارئا بالمسجد، وظل يرتل القرآن فيه حتى نهاية حياته وفاء منه للمسجد الصغير والذي بدأ منه مشواره.

ومع دخول مصر أجواء القرن العشرين ذاع صيت الشيخ محمد رفعت، وسعى المستمعون خلف صوته في كل مكان، وكان من عادته أن يقرأ القرآن الكريم في فترة الصيف بمسجد المرسي أبو العباس في الإسكندرية، وفي باقي العام فكان يتردد على كافة مساجد القاهرة، لكنه ارتبط روحياً بمسجد السيدة زينب فكان يلقي عليها التحية كلما دخل أو مر بالقرب من مسجدها.

صوته يصافح الأثير

في عام 1934 شهدت مصر ميلاد الإذاعة اللاسلكية وافتتحت إرسالها بتلاوة قرآنية بصوت الشيخ محمد رفعت، وفي نفس العام أضرمت الإذاعة المصرية اتفاق مع الشيخ محمد رفعت لقراءة القرآن طوال شهر رمضان مقابل 100 جنيه مصري، وكان انطلاق صوته عبر الإذاعة نقطة تحول في حياته، وحمل الأثير صوته إلى ربوع مصر والعالم الإسلامي.

خاطب الشيخ محمد رفعت القلوب، بصوت يجمع بين الخشوع والعذوبة والتجسيد الدرامي لمعاني القرآن الكريم، وتعلقت به آذان الكستمعين وارتبطت به روحيا خاصة في شهر رمضان.


وبلغ مكانة عالية في العالم الإسلامي، وقامت الإذاعات الأوروبية الموجهة أثناء الحرب العالمية الثانية، بإذاعة تسجيلاته لجذب المستمعين في العالم الإسلامي لبرامجها.

اقرأ أيضًا.. بدعوة من الإمام الأكبر |ترميم 100 أسطوانة نادرة للشيخ محمد رفعت

زهد وانتماء

وبالرغم من الشهرة الواسعة التي تميز بها الشيخ الجليل إلا أنه ظل طوال عمره زاهدا لا يتهافت على الثروة والجاه، ورفض عقدا لإحياء شهر رمضان في الهند مقابل 3 آلاف جنيه قدمها له حيدر باشا أباد، وتمسك بالاتفاق الذي عقده مع الإذاعة المصرية.

كان منزل الشيخ محمد رفعت الكائن في حي السيدة زينب، مزارا للعديد من كبار مشايخ الأزهر، كما ارتبط بعلاقات حميمة، مع جميع ألوان الطيف الثقافي والفني في عصره من جميع الأديان والأجناس، مثل نجيب الريحاني، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وليى مراد، حيث زالت بينهم فروق الدين والجنس، وتلاقوا على الاستمتاع بقيثارة السمائ الشيخ محمد رفعت.

حلم جوار السيدة نفيسة

كان حلم الشيخ محمد رفعت أن يدفن بجوار مسجد السيدة نفيسة، فمنحه أحمد باشا حسنين رئيس الديوان الملكي في عهد الملك فاروق قطعة أرض بجوار المسج فبنى عليها مدفنا، وكان من عادته أن يذهب للمدفن كل اثنين ويقرأ آيات الذكر الحكيم، وظل هكذا لمدة 3 سنوات حتى وفاته.

ابتلاء الله
وفي عام 1943 أصيب الشيخ محمد رفعت بورم، أدى إلى احتباس صوته، وفضل الاحتجاب خوفا أن يداهمه المرض وهو يتلو آيات الذكر الحكيم، وباع كل مايملك سعيا للشفاء، وفي نهاية عام 1949 نشرت مجلة المصور صورا للشيخ الجليل في فراش المرض، مع دعوة للاكتتاب لإنقاذه من المرض، ونجح الكاتب المعروف فكري أباظة في جمع تبرعات من مريديه، لكنه رفض التبرعات وقال إنها لن تنقذه من ابتلاء الله.

التوقيع الرسمي لرمضان
وفي صباح الاثنين 9 مايو وهو نفس تاريخ مولده لعام 1950، لقي الشيخ محمد رفعت ربه، وأصبح قارئ الكتاب في رحاب صاحب الكتاب، ولكن يبقى "صوت الشيخ رفعت هو التوقيع الرسمي لرمضان في قلوب المصريين، بدونه يظل الفطار ناقصاً، وبصوته يكتمل طعم الصيام."