نشأت الديهي يكتب: جنازات بلا موتى

الكاتب الحفي نشأت الديهي
الكاتب الحفي نشأت الديهي


يقول المثل المصري الشهير: “فلان عاوز جنازة ويشبع فيها لطم”. لا علاقة هنا بين الميت واللطم، ولا بين الحزن وصدق المشاعر، بل بين الرغبة في التفريغ وبين المناسبة المتاحة. هناك من يبحث عن لحظة صاخبة، عن مشهد درامي، عن فرصة للظهور، حتى لو لم يكن هناك ميت حقيقي يستدعي كل هذا النحيب.

تذكرت هذا المثل وأنا أتابع ما يدور حولنا من أحداث مجتمعية؛ جريمة هنا، واقعة تحرش هناك، تهديد أو شجار يتحول إلى قضية رأي عام خلال ساعات. السوشيال ميديا تنشر، والمواقع الإخبارية تنقل عن السوشيال ميديا، فيدور الخبر في حلقة مغلقة، تتضخم مع كل مشاركة، ويتحول الحدث الفردي إلى ما يشبه الظاهرة العامة. فجأة يبدو المجتمع كله وكأنه يقف في ساحة عزاء مفتوحة، والكل يلطُم، والكل يصرخ، والكل يعلن أن الكارثة شاملة.

المشكلة ليست في نقل الخبر، ولا في إدانة الخطأ، ولا في التضامن مع الضحايا. المشكلة في طريقة تقديم الصورة، وفي الإلحاح المتكرر على رسم مشهد جنائزي كامل لمجتمع بأكمله بسبب وقائع فردية، مهما كانت مؤلمة. مجتمع يتجاوز تعداده 110 ملايين نسمة، من الطبيعي أن تقع فيه جرائم وأخطاء وانحرافات. وإذا قمنا بإحصاء كل الجرائم التي تقع خلال عام كامل، ثم قارنّاها بعدد السكان، فلن تكون هناك نسبة تُذكر قياسًا بحجم المجتمع.

لكن في عالم الصورة السريعة، لا تحكمنا النسب، بل تحكمنا الانطباعات. حادثة واحدة، إذا أُعيد نشرها مئات المرات، تُعطي إحساسًا بأننا أمام انفلات عام. فيديو قصير، إذا شاهده الملايين، يصنع قناعة بأن السلوك الشاذ أصبح هو القاعدة. وهنا تتحول مواقع التواصل إلى مكبّر صوت يضخّم الاستثناء حتى يبدو كأنه الأصل.

الأخطر أن هذه الصورة لا تبقى داخل حدودنا فقط، بل تنتقل إلى الخارج. في عيون الآخرين، يتشكل انطباع عن مجتمع مليء بالجرائم والتحرش والعنف، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وأقل سوداوية بكثير. نحن أمام ظاهرة “تضخيم إدراكي”، حيث يصبح الصوت الأعلى هو الصوت الأصدق، وتصبح اللقطة الأكثر صدمة هي الممثل الرسمي لحياة مجتمع كامل.

ومع ذلك، لا يجوز أن نقع في الطرف المقابل، فننكر وجود المشكلة أو نقلل من شأنها. القول بأن “النسبة لا تُذكر” لا يعني أن الضحية لا تُذكر. كل جريمة هي مأساة حقيقية، وكل اعتداء هو انتهاك يستحق المواجهة والعقاب. تجاهل الأخطاء بحجة الحفاظ على الصورة لا يقل خطورة عن تضخيمها لأغراض الإثارة.

الفارق الدقيق هنا هو بين الوعي والمبالغة. الوعي يعني أن نناقش الأسباب، أن نطالب بتطبيق القانون، أن نُصلح ما يمكن إصلاحه. أما المبالغة فتعني أن نحول كل حادثة إلى دليل قاطع على انهيار شامل، وأن نستخدم الألم وقودًا للغضب الجماعي دون رؤية أو حلول.

هناك من يستفيد من هذه الحالة. البعض يجد في أجواء الغضب مساحة للظهور، والبعض يوظفها سياسيًا أو اجتماعيًا، والبعض الآخر يكتفي بدور “اللاطم المحترف” الذي لا يعنيه الإصلاح بقدر ما يعنيه المشهد. وهكذا نصنع جنازات بلا موتى، ونقيم سرادقات عزاء لمجتمع لا يزال حيًا، يعمل وينتج ويتعلم ويُربي أجيالًا جديدة.

المجتمع المصري، كغيره من المجتمعات، فيه الأبيض وفيه الرمادي، وفيه أخطاء تحتاج إلى مواجهة جادة. لكنه ليس الصورة الأحادية التي تُرسم أحيانًا في فضاء إلكتروني سريع الاشتعال. التعميم ظلم، كما أن الإنكار تضليل. وبين التهويل والتهوين مساحة عقلانية نحتاج أن نقف فيها بثبات.

لسنا مجتمعًا ملائكيًا، ولسنا مجتمعًا منهارًا. نحن مجتمع كبير، متنوع، مليء بالتحديات والإنجازات معًا. وما نحتاجه ليس المزيد من اللطم، بل المزيد من العمل. ليس المزيد من الصراخ، بل المزيد من الحلول. ليس دفن رؤوسنا في الرمال، ولا الوقوف في عزاء دائم، بل مواجهة الواقع بحجمه الحقيقي.

في النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع هو أن يصدق الصورة المبالغ فيها عن نفسه، فيتصرف على أساسها. حين نكرر أن كل شيء فاسد، قد نُنتج الفساد. وحين نُصر على أن الانحراف هو القاعدة، قد نُسهم في تكريسه. لذلك، قبل أن نلطم، علينا أن نسأل: هل هناك جنازة فعلًا؟ أم أننا فقط نبحث عن مناسبة للصراخ؟