وسط صخور الجرانيت الصلدة في جنوب مصر، تقف لوحة النصر للملك بسماتيك الثاني شاهدةً على واحدة من الحملات العسكرية المهمة في أواخر العصر الصاوي. لوحة بارتفاع يقارب مترين، نُحتت بعناية في الجرانيت الأحمر، وسُجلت عليها تفاصيل انتصار ملكي على تمرد نوبي، لتصبح وثيقة تاريخية تجمع بين الفن والسياسة والدعاية الملكية في آنٍ واحد.
◄ اكتشاف في زمن الإنقاذ
عُثر على اللوحة عام 1964 خلال أعمال إنشاء السد العالي، في محاجر الجرانيت الواقعة بين أسوان ومنطقة شلال جنوبًا. وجاء اكتشافها ضمن سلسلة من الاكتشافات التي صاحبت مشروع إنقاذ آثار النوبة قبل غمر مناطق واسعة بمياه بحيرة ناصر.
ونُقلت اللوحة لاحقًا لتُقام في جزيرة كلابشة الجديدة، حيث أُعيد توطين عدد من المعابد والآثار التي أُنقذت من الغرق، لتصبح جزءًا من مشهد أثري مفتوح يعكس تاريخ الجنوب المصري.
◄ سياق تاريخي: الأسرة السادسة والعشرون
تنتمي اللوحة إلى العام الثالث من حكم بسماتيك الثاني (595–589 ق.م)، أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، التي عُرفت بالعصر الصاوي. شهدت تلك الفترة محاولة لاستعادة النفوذ المصري في الجنوب، خاصة في بلاد النوبة، بعد فترات من التراجع السياسي والعسكري.

وتسجل نصوص اللوحة أن الملك تلقى أنباء عن تمرد نوبي، فبادر بالتحرك العسكري لفرض السيطرة وإعادة الهيبة المصرية، وتؤكد النقوش أن الحملة انتهت بانتصار واضح، حيث فرّ المتمردون وأُسر نحو 4200 شخص، في رقم يعكس حجم المواجهة وأهميتها.
◄ الدعاية الملكية على الحجر
لم تكن لوحات النصر مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة دعاية سياسية وديني، فالملك يظهر في النصوص بوصفه الحامي للنظام الكوني (ماعت)، الذي يقمع الفوضى ويعيد التوازن،
وتُعد هذه اللوحة مثالًا واضحًا على هذا النهج؛ إذ تؤكد قوة الدولة وقدرتها على الردع، وتُبرز صورة الملك كمحارب منتصر يحفظ حدود البلاد الجنوبية.
اقرأ ايضا| المتاحف العالمية تفشل في حماية التراث المصري.. آليات استرداد الآثار المنهوبة
صُنعت اللوحة من الجرانيت الأحمر، وهو حجر ارتبط بالجنوب المصري ومحاجره الشهيرة، ويعكس اختيار هذا الحجر متانة الرسالة ورغبة في تخليد الحدث، كما أن أسلوب النحت الدقيق والكتابة الهيروغليفية الواضحة يشيران إلى مستوى عالٍ من الحرفية في أواخر العصر الفرعوني.
◄ بين النوبة ومصر "صراع النفوذ"
تعكس اللوحة مرحلة حساسة في العلاقات المصرية النوبية، حيث كان الجنوب مسرحًا للتنافس العسكري والسياسي، فبعد أن حكم ملوك نوبة مصر في الأسرة الخامسة والعشرين، سعت الأسرة السادسة والعشرون إلى تثبيت سيطرتها ومنع أي تمرد قد يهدد الاستقرار.

وتُعد حملة بسماتيك الثاني من أبرز الحملات في هذا السياق، إذ لم تقتصر على تحقيق انتصار عسكري، بل حملت رسالة سياسية واضحة تؤكد عودة مصر لاعبًا قويًا في محيطها الإقليمي.
◄ شاهد باقٍ في أرض الجنوب
اليوم، تقف لوحة النصر في جزيرة كلابشة كجزء من ذاكرة إنقاذ آثار النوبة، تربط بين تاريخين، تاريخ قديم يسجل انتصارًا ملكيًا على حدود مصر الجنوبية، وتاريخ حديث شهد ملحمة إنقاذ آثار الجنوب مع بناء السد العالي.
وهكذا، تظل لوحة بسماتيك الثاني أكثر من مجرد أثر حجري؛ إنها وثيقة سياسية، وعمل فني، وشاهد حي على صراعٍ عبر آلاف السنين، بين السلطة والتمرد، وبين الجنوب وحدود الإمبراطورية المصرية.

بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







