إصبعه الأصغر

اللوحات للفنان: صلاح طاهر
اللوحات للفنان: صلاح طاهر


رانا ناصر

«العريس يريدك أن تتركى عملك فى القاهرة»، «يريدك أن تنتقبى»، «يريد الأخت الصغرى لأنها طبيبة»، «أمه تريد أن تقابلك وحدها أولًا وإذا وافقت عليكِ يأتى معها المرة القادمة»

- يريدون.. يريدون.. يريدون.. وأنا؟ لماذا لا يفكرون فيما أريد؟

- ماذا تريدين؟

- أن أطمئن.. فقط أطمئن.

- ماذا تقصدين؟

تأكل آخر ظُفر طويل لديها، وتجيب:

- هنالك جزء أحبه كثيرًا فى رواية لا أحبها يلخص معنى الاطمئنان الذى أقصده، يقول: «لم أهتم يومًا للرجال الأقوياء، أحببتك لأنك أنت، حنون ولطيف ولأنك تَعُد لى البيتزا وتنصت لكل ما أقوله ولأنك تحترمنى، لا يهم إذا كنت قويًا وقادرًا على اللكم والضرب والركل، كما لا يهم إن كنت شجاعًا كفاية للقتل من أجلى، ما يهم... أننى عندما أمسك إصبعك الأصغر، أشعر بالسكينة».

• فهمتُ قصدك… نكمل المرة القادمة.


- هيا انهضى.
- ليس الآن.
- بلى.. الآن.
- لمَ؟
- لدينا موعد بعد ساعتين فقط.
- مع مَن؟
- عريس جديد.
- مرة ثانية؟
- وثالثة.. ورابعة.. وعاشرة.
- ولمَ كل هذا؟
- حتى أطمئن عليكِ. ابنتى، أنتِ فتاة جميلة، ومتعلمة، وعلى خُلُق، لا ينقصكِ سوى الزواج، كل من حولنا يتعجبون كيف بكل ما تملكين من مميزات يتمناها أى رجل لم تتزوجى بعد!
- لأن أنا.. أنا لستُ من يتمناها أى رجل كما تظنين يا أمى.

- تطبخين جيدًا؟
- بعض الشىء.
- لم أفهم.
- ولن تفهم.
- ماذا؟
- لا شىء. أقصد أنى أعرف أن أطبخ بعض الأكلات مما يتيح لى أن أطعم نفسى.
- وأنا؟
- أنت ماذا؟
- ليس لى نصيب من طعامك؟ 
قالها وهو يبتسم لى ابتسامة بلهاء، وبنظرة شهوانية جعلتنى أرغب فى أن أتقيأ.
ثم يترك الحديث عن الطبخ، ويتحدث عن نفسه كثيرًا كثيرًا كثيرًا، لا يكاد يُنهى حكاية حتى ينتقل إلى حكاية أخرى يأخذ فيها دور البطولة، فيظن أنه هكذا يُبهرنى، بمعلوماته عن البرمجة مجال عمله، وبقدرته على التحكم والسيطرة على مرءوسيه، ونوع سيارته التى اشتراها الأسبوع الماضى مسكين لا يعلم أنى اختلستُ النظر إلى إصبعه الأصغر ولم أشعر بالسكينة عندما تخيلتُ نفسى وأنا ممسكة به.

- أحببتى من قبل؟
- بالتأكيد.
- كم مرة؟
- ثلاث مرات. مرتين بشكل كبير، ومرة بشكل عظيم.
- وماذا كان يحدث؟
- لم يكونوا رجالًا حقيقيين.
- كيف؟
تقضم أظافرها بعنف وتقول:
- أحدهم لم يكن على استعداد أن يبذل مجهودًا حتى نكون معًا، والآخر لم يحبنى حقيقةً بل مثَّل علىَّ الحب، أما الثالث لم أفهم إلى الآن لمَ تقرب إلىَّ، وهو لم يكن يحب سوى نفسه فقط.
- شعرتى مع ثلاثتهم بالاطمئنان؟
- لا، مع واحد فقط.
- غريب. قلتِ إنكِ تبحثين فقط عن الاطمئنان!
- هذا حقيقى، لكنى أدركت هذا فيما بعد، بعد أن مرّ الوقت، وأصبحتُ أقترب من الثلاثين كما تقول والدتى. 
تشرد قليلًا وتتساءل بخوف:
- هل الآن لا بد أن أقبل بأى رجل وأتزوج؟
- الآن لا بد أن تتمسكى أكثر بالوصول للإصبع الأصغر الصحيح.

- اسمعى، ستخرجين، وتجلسين معه، ولن أقبل بالرفض هذه المرة دون أسباب حقيقية.
للمرة التى لا أعرف عددها سأجلس مع رجل لا أعرفه، ولا يعرفنى، لنقرر الزواج من بعضنا البعض. ربما هذه ليست المشكلة، المشكلة أنى فى كل مرة أخشى أن أُغضب أمى، فأنا أحبها للدرجة التى لا يهون علىَّ معها كسر فرحتها خائفة هذه المرة أكثر من كل مرة، خائفة من أن أضطر إلى الموافقة دون اقتناع حقيقى منى، فقط حتى تفرح أمى كما تتمنى.

- من الواضح أنكِ تحبين القراءة، طالما لديكِ كل هذه المكتبة.
يشير إلى المكتبة من خلفى.
- نعم.
- فيما تحبين أن تقرأى؟
- كل شىء.
- أنا أحب القراءة فى الفلسفة، أعتقد أنكِ تحبين الروايات الرومانسية أكثر من أى شىء.
- لماذا؟
- كل الفتيات تحب قراءة الروايات، تحديدًا الرومانسية.

لديه ثقة فى نفسه مخلوطة ببعض «الإيجو»، مثله مثل رجال كثيرين، لكنه يبدو متفهمًا لاهتماماتى فى الحياة، حتى ولو كان يرى أن كل الفتيات التى تهوى القراءة تحب الروايات الرومانسية فقط. فى المرات التى تقابلنا فيها إلى الآن بدا لطيفًا بعيدًا عن أنه عندما نعبر الطريق معًا يسبقنى ببعض الخطوات، ولا يلتفت إلىَّ ليطمئن إذا كنتُ بجانبه أم لا. يستمع إلىَّ عندما أتحدث دون أن يقاطعنى حتى ولو أنه فى أحيانٍ كثيرة لا يتفهم شعورى بخصوص ما أحكيه ولماذا من الأساس أحكيه له، وفى النهاية يعطينى آراء لا تمتُ لما حكيتُ بصلة.
قلقة وحائرة. ماذا أفعل؟

أجلس فى المقهى المُفضل لدىَّ، والذى اعتدتُ على أن أجلس فيه بصورة شبه يومية بعد الانتهاء من عملى. منذ 5 سنوات كانت زيارتى الأولى له حيثُ قررتُ الاحتفال فيه بعيد ميلادى الثلاثين، وحدى. لدىَّ أصدقاء كُثر، وعادة كل عام تفاجئنى كل مجموعة من الأصدقاء باحتفال أجمل مما سبقه، لكن عيد ميلادى الثلاثين أردت له أن يكون مُميزًا عن كل عام، يليق بهذه السن المميزة والتى فيها أنتقل إلى عقد جديد.
والآن أريد أن أعيد ترتيب حساباتى: هل أخطأت فى حق نفسى؟ ألم يكن علىَّ البقاء وحيدة؟ هل ضاعتْ الفرص من بين يدى حتى اعتدتُ الوحدة؟ ألم يعد لدىَّ أى فرص الآن؟ هل…؟
يقاطع هذا السيل من الأفكار والتساؤلات:
- مساء الخير.
- مساء النور.
يشير بيده نحو الجهة الزجاجية التى أجلس بجانبها:
- الاسكوتر الأزرق الذى يقف فى الخارج، لكِ؟
- نعم.
- معذرة، أيمكنك تحريكه، لأننى لا أستطيع الخروج بالسيارة؟
- هيا بنا.

- آسفة، عطلتك.
- لا، أبدًا .. شكرًا لكِ.. أنا أحمد، مذيع فى قناة العربية.
- أهلًا، رأيتك على التلفاز من قبل. وأنا ليلى، مُترجمة فورية.
- فرصة سعيدة. هل تمتلكين الاسكوتر منذ زمن؟
- 5 سنوات. أهديته لنفسى فى عيد ميلادى الثلاثين.
ثم سألته بحماس كنتُ قد نسيته:
- تستطيع سواقته؟
أجاب بابتسامة هادئة:
- كان لدىَّ مثله قبل أن أشترى هذه السيارة. اشتقتُ له كثيرًا.
- أتفهم ذلك، فى الوقت الذى تحب فيه استعادة ذكريات سواقته يمكنك أن تستعين به.
قلتُ له ذلك وأنا أنظر إلى الاسكوتر.
فرد بحماس أكثر مما كان لدىَّ:
- الآن.
- الآن ماذا؟
- أريد أن أستعيد ذكرياتى معه الآن؟ هل تمانعين؟
- أبدًا، تفضل.
أعطيته المفتاح وأدار الاسكوتر ونظر إلىَّ قائلًا:
- هيا؟
فابتسمت وهممتُ بالركوب خلفه، أخذنا نقطع شوارع المعادى الفارغة من الناس والممتلئة بالأشجار حيث يقع الكافيه الذى كنتُ أجلس فيه. كان الجو حارًا قليلًا تعتريه بعض نسمات الهواء المختلطة بالأتربة الصفراء.
قال بصوتٍ عالٍ، ضاحك، ومتحمس:
- شكرًا لكِ كثيرًا.
نظرتُ إلى يديه القابضة على المقبض بقوة، وسألته:
- هل يمكنك إعداد البيتزا؟