زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
لو ارتحلتُ كما أرجو لما ازدحمت
فىَّ الموانئُ أثناء المغيب، لما
بنيتُ منفاى من أشياءَ عادية
من كوخ أغنيةٍ مسقوفةٍ سعفاً
أو من مراكبَ لم تبحرْ لوجهتها
لعلنى كلما تأتى الجهات على
روائح الصيف إذ تلقى خرائطها
أفضُّ ختم الدروب البكر وهى على
حدِّ السفوح التى فَكّت جدائلَها
ولستُ أدرى لعلّ الرحلة ابتدأت
حقاً ولم أنتبهْ إلا مصادفةً
مضيتُ متجهاً من دون بوصلة
أمشى على الجسر لا ريثٌ ولا عجلٌ
لطالما سرتُ وحدى غير مكترثٍ
بأى شيءٍ سوى الإيقاع متجهاً
إلى سواحل لم تولدْ شواطئها
تأتى وتذهب بى أشباحُ أبخرةٍ
تطيل فى لحظةٍ حبل التأمُّل فى
شكل المدى، سيفُهُ محدودبٌ نقشت
شمسُ الغروب على أمواج فضَّته
ألقابَ من عبروا ليلاً ولم يصلوا
والجسر ملتبسٌ ليست معالمه
إذا وقفتَ به أو سرتَ واضحةً
لعله معنوى لا وجود له
كأنَّه الجسر ما بين المجاز وما
بين العبارة فى (جسر الإغاثة) من
أرضٍ تقطِّعها مزْنٌ مبقَّعة
إلى قفارٍ بلا أسماء تحرسها
فإنْ يكنْ واقعاً فالمعنوى يُرى
فى الشكل واللون بالمادى ملتبسا
فلا وجود لأضلاع السحابة فى
جوف المدى، كلها وهميةٌ، مثلا
والوقت كالقشِّ تثنيه استعارته
فينتهى دائرياً دونما عملٍ
محدد واضح فى تُرْس آلته
أمضى وأسأل: هل للجسر من لقبٍ
أو كنية كأبى أيوب؟ قد بركت
أعضاؤه وانحنت والريح صارخةً
تعضُّ بالشوك وركيه وتُنشب فى
سنامه كالعُرى أظفارَها وإذا
أعودُ أسألُ هل للجسر ذاكرةٌ
تلقى هويتَه فى بئر وحشته؟
نظرتُ لم ألقَ إلا الصمت منتظرا
يهزُّ عُصْعصه.. ماذا أقول إذن؟
فربما الجسر بين اثنين وحدهما
كلاً على حدةٍ يحكى حكايته:
تلان بينهما وادٍ يلاحقه
سيلٌ فيدفعه دفعاً لهاويةٍ
أو فكرةٌ شطرتْ نصفين والتحمت
كحذوةٍ لا تُرى مما يحيط بها
من الضباب كثيفاً ظلَّ يحرسها
أو ربما اللفظ والمعنى فبينهما
مساحةٌ حرةٌ لنسىء الفهم واسعةً
تفتحتْ لاختلاف الرأى يرفعها
سقفُ البلاغة من قاع السياق، جرى
بها اختبارُ النوايا فى جداولها
لكنَّما الجسر لا يفضى لنافذة
تطلُّ منها على بطحاء معرفةٍ
ولا فوانيسَ فى كفِّ الفهارس كى
تضىء ليلاً لنا قبواً، كنايتُه
تعرَّقتْ فى كفوف السرْد نافرةً
أو مورداً واحداً تسقى به إبلاً
من الشمال على أطراف باديةٍ
لو أنَّه الجسر أو ما كنتُ أحسبه
رأيتُ فيه ابن منظورٍ بمعجمه
يدقُّ بيتاً من الشعر القديم على
إيقاع مفردةٍ فى القرب خائفةٍ
أو كنتَ تسمع بوق المفردات وقد
تكدَّست شعراء ينفخون بها
روحاً جديداً من الرسم المعتَّق قد
تشكَّلت من بعيدٍ كل مفردة
قديمةٍ كبيوت الطين نائمة
تحت النخيل على تلٍ ليسكنها
مستشرقٌ فى اللسانيات ليس له
فى كلّ ما يتبقى من هواجسه
شيئاً سوى الواقع المسعور ينكسهُ
مثل الذبيحةِ من رجليه ثم إذا
ما شاء يسأل: صفْ لى كلَّ منحدرٍ
فى هامة التلِّ لا تدرى نهايته
وربما الجسر مادى وواقعه
فى آخر الأمر يبدو من وظيفته
سهلاً، أقل غموضاً، لا يشير إلى
شىء وليس له سرٌّ نفككه
تفوح رائحةُ الماء المملَّح من
حديده الصلب إذ يعلو ومن صدأ
تفوح رائحةُ الموت المؤجَّل من
إبطيه، لم ألتفتْ للواقعية فى
حلمٍ يسير على جسرٍ يركِّبه
مهاجرون من الماضى، خرافتهم
تدقُّ أحلامَهم فى عظمِ هيكله
بكلِّ مطرقةٍ تهوى بداخلهم،
فقد يكون سؤالُ الحلم أصدق من
فرط الهشاشة فى ماضٍ حقيقته
تظلُّ عشبيةً مملوءةً إبراً
والزعفرانُ يرى بين الشقوق كما
لو أنّه انفكَّ من شمسٍ مخبأةٍ
وكلما قلتُ: ما الحلم؟ التقيتُ بلا
قصدٍ بعابرة قالتْ يلاحقنى
هذا السؤال كجروٍ فالحقيقة قد
تمضى بلا وجهةٍ تخفى هويتها
تصوَّفتْ فى عروق الجدب واتخذت
هدى الطريق الذى اندكَّت معالمه
فلا تسلنى سؤالاً لا جواب له
ودعكَ منه ولا تَتْبَعْ سوى الرائحةْ
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







