تتصاعد الدعوات إلى إعادة صياغة شاملة لمنظومة الدفاع والأمن، وسط تحذيرات عسكرية مباشرة من اتساع نطاق التهديد الروسي وتراجع اليقين بشأن المظلة الأمنية الأمريكية.
فبعد مؤتمر ميونيخ للأمن، لم يعد النقاش محصورًا في أروقة السياسيين، وخرج كبار القادة العسكريين إلى الرأي العام بنداء غير مسبوق يطالب بالاستعداد لتحمل كلفة إعادة التسلح، معتبرين أن الأمر لم يعد خيارًا استراتيجيًا وإنما "واجبًا أخلاقيًا".
ووفق ما نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية، فإن لندن وبرلين تقودان تحركًا يهدف إلى إقناع المجتمعات الأوروبية بأن مرحلة "عائد السلام" قد انتهت، وأن القارة تدخل مرحلة تتطلب استعدادًا طويل الأمد لمواجهة احتمالات التصعيد مع موسكو.
اقرأ أيضًا| أوروبا تراجع علاقتها التجارية مع واشنطن تحت ضغط تهديدات ترامب| ما القصة؟
نداء عسكري غير مسبوق: إعادة التسلح «واجب أخلاقي»
كشف كبار القادة العسكريين في بريطانيا وألمانيا عن توجيه نداء مشترك إلى الجمهور يدعو إلى قبول الحجة الأخلاقية لإعادة التسلح والاستعداد لاحتمال مواجهة عسكرية مع روسيا.
وأوضح قائد القوات الجوية المارشال ريتشارد نايتون، رئيس أركان الدفاع البريطاني، والجنرال كارستن بروير، رئيس أركان الدفاع الألماني، أنهما يتحدثان ليس فقط بصفتهما قائدين لجيشي دولتين من أكبر الدول الأوروبية إنفاقًا على الدفاع، ولكن "كصوت لأوروبا التي تواجه حقائق غير مريحة بشأن أمنها".
وأشار القائدان إلى أن الموقف العسكري الروسي "تحول بشكل حاسم نحو الغرب"، مؤكدين الحاجة إلى "تغيير جذري" في منظومة الدفاع والأمن الأوروبية.
حجم المخاطر عقب مؤتمر ميونخ للأمن
أفاد نايتون وبروير، في مقال مشترك نُشر في "الجارديان" وصحيفة "دي فيلت" الألمانية عقب مؤتمر ميونيخ للأمن، أن من واجبهما توضيح حجم المخاطر للرأي العام حتى يدرك سبب التزام المملكة المتحدة وألمانيا بأكبر زيادات مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة.
وشددا على أن "إعادة التسلح ليست دعوة للحرب، ولكنها عمل مسؤول تقوم به دول عازمة على حماية شعوبها والحفاظ على السلام"، في محاولة لفصل مفهوم التعزيز العسكري عن فكرة التصعيد.
تردد شعبي رغم تصاعد المخاوف
رغم تزايد المخاوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة خلال السنوات الخمس المقبلة، أظهرت استطلاعات الرأي وجود تردد واسع بين الناخبين في بريطانيا وألمانيا تجاه تحمل التكاليف الاقتصادية لإعادة التسلح.
في بريطانيا، كشف استطلاع أجرته مؤسسة YouGov أن 25% فقط يؤيدون زيادة الضرائب لتمويل الإنفاق الدفاعي، بينما يدعم 24% خفض الإنفاق العام لهذا الغرض، حتى بين من يعتبرون تعزيز القوة العسكرية أمرًا بالغ الأهمية.
وفي ألمانيا وفرنسا، أظهر استطلاع نشرته صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية تراجع دعم زيادة ميزانيات الدفاع إذا كان ذلك سيؤثر على الاستثمارات الاجتماعية الأخرى، ما يعكس معادلة سياسية حساسة بين الأمن والرفاه الاقتصادي.
ستارمر: بريطانيا ليست "بريكسِت الماضي"
أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ، أن بلاده بحاجة إلى علاقة دفاعية أوثق مع أوروبا تشمل المشتريات والتصنيع العسكري، مشيرًا إلى أن المملكة المتحدة يجب أن تكون في قلب منظومة دفاعية أوروبية أقوى.
وأوضح أن بريطانيا "ليست نسخة سنوات الخروج من الاتحاد الأوروبي"، مضيفًا أن التهديد الروسي طويل الأمد يفرض اندماجًا أعمق في سياسات المشتريات الدفاعية الأوروبية.
ووصف أوروبا بأنها "عملاق نائم"، لكنه أشار إلى وجود تشتت في التخطيط الصناعي وعمليات الشراء الدفاعي.
أفاد نايتون وبروير أن ضعف أوروبا أو انقسامها قد يشجع روسيا على توسيع هجومها إلى ما وراء أوكرانيا، مؤكدين أن دروس التاريخ تشير إلى أن الردع يفشل عندما يشعر الخصوم بالضعف والانقسام.
وأشارا إلى أن نوايا موسكو لا تقتصر على أوكرانيا، بل تتجاوزها، ما يستدعي استجابة أوروبية موحدة وقوية.
ودعا القائدان إلى إطلاق "حوار صادق" على مستوى القارة يؤكد أن الدفاع لم يعد مسؤولية الجيوش النظامية وحدها، بل يتطلب مشاركة المجتمع بأكمله.
وتشمل هذه الرؤية تعزيز البنية التحتية المرنة، وتوسيع أبحاث وتطوير التكنولوجيا بالتعاون مع القطاع الخاص، وتجهيز المؤسسات الوطنية للعمل تحت تهديدات متزايدة، في إطار مفهوم الدفاع الشامل.
اتفاقية «ترينيتي هاوس» وتعميق التعاون
التزمت لندن وبرلين بتعميق التعاون الدفاعي عبر اتفاقية "ترينيتي هاوس" الموقعة عام 2024، والتي تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وفي ألمانيا، تواجه الحكومة ضغوطًا مزدوجة لتحقيق انتعاش اقتصادي وزيادة الإنفاق الدفاعي، وقد نشرت برلين لواءً قتاليًا دائمًا يضم بين 4000 و5000 جندي على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، وعدّلت دستورها لتوفير تمويل دفاعي شبه غير مقيد.
كما بدأت عملية شراء آلاف المركبات المدرعة، إلى جانب توسيع القدرة الصناعية العسكرية.
أما بريطانيا، فتعمل على بناء ما يصل إلى ستة مصانع ذخيرة، بهدف تحقيق قدرة إنتاج مستمرة للحفاظ على المخزونات الاستراتيجية.
ظل الغموض الأمريكي
يأتي هذا التحول الأوروبي بعد نحو أربع سنوات من الحرب الروسية الأوكرانية، وفي ظل تصاعد الغموض حول مدى التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وتسعى الحكومتان البريطانية والألمانية إلى إعادة التوازن في الإنفاق بعد عقود من توجيه "عائد السلام" إلى الخدمات العامة بدلًا من الدفاع.
وتعهد قادة حلف شمال الأطلسي في قمة لاهاي العام الماضي برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وتشير أبحاث إلى أن هذه الزيادة قد تنشط الاقتصاد البريطاني على المدى القصير، غير أن معارضة داخل حزب العمال البريطاني، إلى جانب قوى يسارية وأخرى يمينية في ألمانيا، ترفض رفع الإنفاق الدفاعي على حساب الصحة ومكافحة الفقر.
ميرز: الحرية لم تعد مضمونة
في كلمته الافتتاحية بمؤتمر ميونيخ، حذر المستشار الألماني فريدريش ميرز من أن "الحرية لم تعد أمرًا مفروغًا منه"، مؤكدًا أن أوروبا في عصر القوى العظمى تحتاج إلى الحزم والعزيمة لحماية حريتها.
وكشف ميرز عن محادثات أولية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن إمكانية الاستفادة من المظلة النووية الفرنسية، في إطار دعوته لتطوير استراتيجية أمنية أوروبية أكثر استقلالًا.
وتشير التطورات من ميونيخ إلى العواصم الأوروبية إلى بداية مرحلة إعادة تشكيل عميقة للسياسات الدفاعية في القارة، وبين ضغوط الرأي العام، والتحديات الاقتصادية، والتحولات في العلاقة مع واشنطن، تبدو أوروبا أمام اختبار تاريخي: «إما بناء قدرة دفاعية مستقلة تضمن الردع والاستقرار، أو البقاء في دائرة التردد بينما تتغير موازين القوى من حولها».
اقرأ أيضًا| من دافوس إلى غزة وجرينلاند.. كيف تفكك النظام العالمي الذي قادته أمريكا؟

روبيو يجدد التزام الولايات المتحدة بأمن الكويت
لبنان: رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران
إسرائيل تعلن تصفية «قيادات بارزة» في حركة حماس بقطاع غزة







