في قلب جنوب سيناء، وعلى قممٍ جبليةٍ تعانق السماء، يقف معبد سرابيط الخادم شاهدًا على تاريخٍ تعدينٍ مقدّسٍ وكتابةٍ وُلدت من الصخر، اليوم، تتعالى أصوات أهالي المنطقة للمطالبة بإدراج المعبد على خريطة السياحة الرسمية، وتطوير محيطه، باعتباره كنزًا أثريًا وطبيعيًا فريدًا، وركيزة محتملة لمشروع سياحي متكامل يربط بين سفاري الصحراء ومشروع التجلي الأعظم في سانت كاترين.
◄ مطالب مجتمعية بإحياء كنز منسي
أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن أهالي سرابيط الخادم يناشدون وزير السياحة والآثار ومحافظ جنوب سيناء إدراج المعبد على الخريطة السياحية، مع تطوير المنطقة والاستفادة من شهرتها في سياحة السفاري، وربطها بمشروع التجلي الأعظم، بما يعزز مفهوم "سياحة أرض الفيروز" .

ويؤكد الأهالي أن لهم دورًا أصيلًا في الكشف عن كثير من المواقع الأثرية، عبر إرشاد البعثات العلمية، وعلى رأسهم الشيخ ربيع بركات وأسرته، في نموذجٍ لتكامل المجتمع المحلي مع العمل الأثري.
◄ اكتشافات جديدة تعزز القيمة التاريخية
جاءت المطالبات بعد اكتشاف مهم بإحدى المساقط الجبلية في منطقة أم عراك، حيث كُشف عن رسومات ونقوش صخرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بعصر مصر القديمة، وفترة الوجود النبطي في سيناء، إلى جانب كتابات يونانية تركها الحجاج المسيحيون في طريقهم إلى جبل الشريعة عبر الطريق الغربي للحجاج القادمين من أوروبا عبر الإسكندرية إلى حصن بابليون، ثم إلى سيناء، فضلًا عن كتابات عربية تمثل بصمات الحضارة الإسلامية على أرض الفيروز.

◄ سياحة "أرض الفيروز" هوية تاريخية متكاملة
يشير الدكتور ريحان إلى أن سيناء لم تُلقب بـ"أرض الفيروز" من فراغ؛ فقد كانت المصدر الرئيسي للفيروز في مصر القديمة، وسجلت أخبار بعثات التعدين على جدران المعبد، الذي يبعد نحو 320 كم عن القاهرة، ويُعد الموقع شاهدًا حيًا على عمارة مصرية قديمة، ونقوش فنية، وطبيعة جيولوجية استثنائية.
ولا تقتصر أهمية المنطقة على التعدين، بل تحتضن ما يُعرف بـ"الأبجدية السينائية المبكرة"، التي تُعد من أقدم أشكال الكتابة في العالم، وانتقلت لاحقًا إلى فلسطين كأبجدية كنعانية، ومنها إلى فينيقيا، وصولًا إلى تطور أنظمة الكتابة السامية، وقد صُوّر بالمعبد فيلم وثائقي بعنوان "بداية الكتابة" عام 2019، بمشاركة المؤرخ الفرنسي بيير تاليه، ما وفر دعاية دولية مهمة للموقع.

◄ أصل التسمية وترميمات سابقة
تعود تسمية "سرابيط" إلى كلمة "سربوط" في لهجة أهل سيناء، وتعني الصخرة القائمة بذاتها، وهي الأنصاب التي كانت تسجل عليها أخبار بعثات التعدين منذ الأسرة الثالثة وحتى الأسرة العشرين، أما "الخادم" فترتبط بأعمدة المعبد التي تشبه في هيئتها الخدم.
وقد نفذ المجلس الأعلى للآثار بين عامي 2009 و2014 مشروع ترميم شمل إعادة تركيب لوحات المعبد، وتدعيم الأسوار، وتنظيم مسارات الصعود والهبوط، وإنشاء مقر دائم ومركز زوار بتكلفة بلغت 14 مليون جنيه، إلا أن المركز يحتاج إلى أعمال استكمال قبل افتتاحه رسميًا، إضافة إلى تمهيد الطريق المؤدي من مدينة أبو زنيمة بطول 40 كم وتزويده بالخدمات الأساسية.

◄ برامج سياحية واعدة
يقدم أهالي المنطقة برامج سفاري تستقطب الزوار الأجانب، تشمل الإقامة في دار بدوية، وتأمين الرحلات من أبو زنيمة إلى المعبد، ثم إلى دير سانت كاترين، مرورًا بأودية خلابة مثل وادي خميلة، ووادي برك، وحجر أم لغاه، ووادي سهب، وصولًا إلى سانت كاترين خلال أربعة أيام.

كما يتضمن برنامج آخر زيارة "غابة الأعمدة" ذات التكوينات البركانية والأشجار المتحجرة، وكانيون وادي بعبع بطوله الضيق، وعين أبو صور الطبيعية، إضافة إلى وادي النصب الذي يمثل متحفًا مفتوحًا للنشاط الصناعي القديم في صهر النحاس.
◄ الفيروز.. حجر العقيدة والجمال
يتميّز الفيروز السيناوي بعروقه البنية، ويُستخرج من سرابيط الخادم ووادي المغارة ووادي خريج ووادي أم ثمائم ووادي أبو غادة. وقد احتل الفيروز مكانة رمزية في مصر القديمة؛ فاستُخدم في طقوس تأسيس المعابد، وارتبط ببيت الولادة (الماميزى)، وحماية الأم، والاحتفال بالسنة الجديدة، كما ورد في نصوص الأهرامات والتوابيت وكتاب الموتى، مقترنًا باللازورد، في دلالات كونية تربط بين القمر والشمس والأفق.
◄ نحو رؤية تنموية متكاملة
تمثل سرابيط الخادم فرصة حقيقية لإطلاق مسار سياحي يجمع بين التاريخ والتعدين القديم وسياحة السفاري والروحانية، ضمن رؤية تنموية تدعم المجتمع المحلي، وتحافظ على التراث، وتعيد إحياء أحد أهم مواقع "أرض الفيروز" في الذاكرة الوطنية والعالمية.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







