حين يهل رمضان، تتوهج الشوارع المصرية بأضواء صغيرة تتراقص خلف زجاج ملون، ويحمل الأطفال فوانيسهم مرددين أغنيات ورثوها عن الأجداد، لكن حكاية الفانوس لا تبدأ من القاهرة الفاطمية فقط، بل تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
وخلف كل فانوس قصة إنسانية؛ هناك الأب الذي يقتطع من رزقه ليرى لمعة الفرح في عين ابنه، والجد الذي يروي لأحفاده كيف كان يضع شمعة صغيرة في علبة صفيح، والصانع الذي يفني عمره بين نار اللحام وبرودة الصفيح ليصنع للناس "بهجة" لا يملكها هو في أحيان كثيرة.
وفي معابد مصر القديمة، أضيئت المصابيح احتفاء بالقمر وبالإله أوزوريس، إنه ليس مجرد مصباح، بل قطعة من ذاكرة وطن.. سافرت عبر العصور حتى استقرت في ورش "تحت الربع".
- عيد المصابيح.. البداية من مصر القديمة
وبحسب خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، يعود أصل الفانوس إلى احتفال مصري قديم عُرف باسم "عيد المصابيح"، وكان يقام في شهر كيهك بالتقويم القبطي، الموافق للفترة من 10 ديسمبر إلى 8 يناير.
في هذا العيد، كانت تُوقد المصابيح والمسارج ليلًا أمام المنازل وفي معبد الإله أوزوريس بمدينة صالحجر، عاصمة مصر في العصر الصاوي "بمركز بسيون حاليًا بمحافظة الغربية"، وتُقدم القرابين في أجواء احتفالية مضيئة.
وتشير دراسة أثرية للباحث محمد أحمد ناصر إلى أن هذا الاحتفال يمثل الجذور الأولى لفكرة إضاءة الفوانيس ليلًا، وهي الفكرة التي استمرت حتى ارتبطت لاحقًا بشهر رمضان.
- "وحوي يا وحوي إياحة".. أنشودة القمر
لم تكن أغنية الأطفال الشهيرة "وحوي يا وحوي إياحة" وليدة العصر الحديث، يؤكد الدكتور ريحان أن كلمة "إياحة" مشتقة من دمج كلمتين مصريتين قديمتين "إعح – حا"، وترتبطان بالقمر، الذي كان يُسمى في مصر القديمة "إحع". وكانت الأغنية في أصلها احتفاءً بالليالي القمرية.

وهناك رأي آخر يربط العبارة بالملكة إياح حتب، والدة الملك أحمس، التي لعبت دورًا بارزًا في مقاومة الهكسوس. ويُقال إن الشعب استقبلها بالمشاعل مرددًا "وحوي يا وحوي إياحة" بمعنى "هلّ القمر"، تكريمًا لها بعد الانتصار، ومع دخول الفاطميين إلى مصر، ارتبطت الأغنية تدريجيًا بشهر رمضان، بعد أن ظلت قرونًا مرتبطة بكل الأشهر القمرية.
- الفانوس يدخل القاهرة الفاطمية
في 15 رمضان عام 362هـ / 972م، دخل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي القاهرة ليلًا، فخرج المصريون لاستقباله بالمشاعل والفوانيس في مشهد احتفالي مهيب، ومنذ ذلك اليوم، صار الفانوس أحد أبرز رموز رمضان في مصر.
لم يعد المصباح مجرد وسيلة للإضاءة في الطرقات أو للوصول إلى المساجد، بل تحوّل في العصر الفاطمي إلى رمز احتفالي، صار الأطفال يطوفون به في الشوارع، يغنون ويطلبون الحلوى التي اشتهرت بها الدولة الفاطمية.
- حكايات أخرى.. الحاكم بأمر الله والمسحراتي
تُروى حكاية أخرى تعود إلى عهد الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي، حين كان خروج النساء ليلًا ممنوعًا، ثم سُمح لهن في رمضان بشرط أن يسبقهن صبي يحمل فانوسًا مضاءً، ليُفسح الناس الطريق، ومع الزمن، اعتاد الأطفال حمل الفوانيس في رمضان.
ويرتبط الفانوس أيضًا بالمسحراتي، إذ كان يُعلّق في منارة المسجد إعلانًا لوقت السحور، كما أشار الرحالة ابن بطوطة في وصفه للحرم المكي، حيث كانت تُعلّق القناديل ليرى الناس وقت السحور، وهكذا، تداخلت الوظيفة العملية بالإضاءة مع الطابع الاحتفالي، حتى صار الفانوس رمزًا رمضانيًا خالصًا في مصر.

- تحت الربع.. حيث يُصنع الضوء
مع تطور شكله الحالي منذ نحو 150 عامًا، أصبح للفانوس ورش متخصصة، أشهرها في منطقة "تحت الربع" المتفرعة من ميدان باب الخلق بالقاهرة التاريخية.
يرتبط تاريخ المنطقة بإنشاء القاهرة على يد جوهر الصقلي، وكانت تُعرف قديمًا بحارة السودان، ثم تغيّر اسمها في العصر المملوكي إلى "تحت الربع"، كما ذكر المقريزي في خططه، وقد شهدت المنطقة تطورًا عمرانيًا في عهد الظاهر بيبرس، وأصبحت تضم مئات المساكن والحرف.
ومن هنا، خرج الفانوس المصري بشكله المعدني المحاط بالزجاج الملوّن، لينتقل إلى أحياء مصر كافة، خاصة السيدة زينب، ثم يسافر إلى دمشق وحلب والقدس وغزة وغيرها من المدن العربية، ليصبح جزءًا من تقاليد رمضان في العالم العربي.

- رمز يتجاوز الضوء
لم يعد الفانوس مجرد مصباح، بل رمزًا للبهجة والهوية.
هو ذكرى مصرية قديمة احتفت بالقمر، وموكب فاطمي استقبل خليفة، وأغنية شعبية عبرت القرون، وورشة حرفي يجلس خلف زجاج ملون يصنع قطعة من الفرح.
واليوم، تتعالى الدعوات لتوثيق الفانوس المصري والموروثات الرمضانية المرتبطة به من الكنافة والقطايف إلى الأناشيد الشعبية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، حفاظًا على هذا الإرث الذي يجمع بين الضوء والحكاية.
- الفانوس.. حكاية لا تنطفئ
من معابد أوزوريس في صالحجر، إلى شوارع القاهرة الفاطمية، إلى أزقة تحت الربع، ظل الفانوس شاهدًا على احتفال المصريين بالنور، وفي كل رمضان، حين يضيء طفل فانوسه، تشتعل معه ذاكرة آلاف السنين، وتبدأ الحكاية من جديد.
اقرأ أيضا| عيد حب «رمضانى»! |«الهدايا الحمراء» ترفع الراية البيضاء أمام الفوانيس

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







