في زقاق ضيق تفوح منه رائحة البخور والتاريخ بالقرب من «باب زويلة»، يجلس «عم محمد» وبصره معلق بطرف إبرة دقيقة، يغرسها في قماش «الدبلان» وكأنه يغرس فيها جزءاً من روحه، هنا في شارع الخيامية، لا تقاس المسافات بالأمتار، بل بعدد الغرز التي تحول قطعة قماش صماء إلى لوحة تنبض بالحياة.
الخيامية ليست مجرد أقمشة مزخرفة تزين السرادقات أو شوارع رمضان، بل هي فن مصري ضارب في عمق التاريخ، امتدت جذوره إلى عصور بناة الأهرام، وتطورت زخارفه عبر العصور القبطية والإسلامية، حتى ارتبط اسمه بصناعة كسوة الكعبة المشرفة لقرون طويلة، هذا الفن، الذي لا يزال نابضًا بالحياة في شارع الخيامية قرب باب زويلة، يمثل صفحة مشرقة من التراث الحرفي المصري.
ومع اقتراب شهر رمضان، تتحول هذه الحرفة من مجرد «صنعة» إلى حالة من العبادة البصرية، فالخيامية ليست مجرد سرادقات تنصب أو زينة تعلق؛ هي ذاكرة مصرية مطرزة يدوياً، تشبه في تفاصيلها أيام الشهر الفضيل، صبر طويل، دقة متناهية، ونهاية تسر الناظرين.
وبحسب- عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة- فإن صناعة الخيام تعود إلى عصور الدولة القديمة، حين استخدمت المظلات لرؤساء العمال، وخيام لرحلات الملوك، ومع إضافة رقع القماش للزينة بدأت البذور الأولى لفن الخيامية القائم على التطريز والزخرفة.
وازدهر هذا الفن في العصر القبطي، كما تؤكد قطع نسيج مطرزة محفوظة بالمتحف القبطي بالقاهرة، ثم واصل تطوره في العصر الإسلامي، خاصة في مدينة الفسطاط، أول مدينة إسلامية أسسها عمرو بن العاص، والتي يحمل اسمها دلالة مباشرة على «الخيمة».
الخيامية وكسوة الكعبة
ارتبطت شهرة الخيامية بصناعة كسوة الكعبة المشرفة، التي كانت مصر تتولى إنتاجها حتى ستينيات القرن العشرين، وكانت الكسوة تنسج بخيوط الذهب والفضة، وتحمل في موكب احتفالي مهيب يعرف باسم «المحمل»، متجهة من القاهرة إلى الأراضي الحجازية في موسم الحج.
ويشير الدكتور ريحان إلى أن أول مؤسسة لإدارة صناعة الكسوة كانت بمنطقة «تحت الربع» قرب باب الخلق، وكانت الكسوة تنقل على الجمال وسط احتفالات رسمية وشعبية ضخمة.
وأرّخ الدكتور يونان لبيب رزق لاحتفالات عام 1344هـ، موضحًا أن الكسوة كانت تُنقل في موكب عسكري مهيب تحيط به فرق المشاة والموسيقى العسكرية، وتُعرض في ميدان محمد علي وسط حضور رسمي رفيع، مع إطلاق المدافع احتفاءً بالمناسبة، بينما يتلو كبار المقرئين آيات القرآن الكريم.
- شارع الخيامية.. ذاكرة المهنة
يقع شارع الخيامية أمام باب زويلة، بالقرب من منطقة «تحت الربع»، ويعد أحد أشهر الأسواق المسقوفة في القاهرة التاريخية، ويرتبط اسم الشارع بالحرفة نفسها، حيث كانت المنطقة قديمًا تضم إسطبلات للخيول، بينما كان الطابق العلوي مخصصًا لمبيت التجار القادمين من المغرب والشام.
وكان هؤلاء التجار يستخدمون خيامًا في أسفارهم، ويقومون بإصلاحها في هذه المنطقة، وحرص كل منهم على تمييز خيمته بزخارف خاصة، لتبدأ من هنا مهنة الخيامية بشكلها الفني المعروف.
- مراحل التصميم والتنفيذ
تبدأ صناعة الخيامية برسم التصميم على الورق، ثم يُنقل إلى قماش سميك غالبًا ما يكون من «التيل».
يُخرم الرسم وتُستخدم بودرة خاصة لطباعة الخطوط على القماش، قبل أن يبدأ الفنان في قص وحدات القماش الملونة وتثبيتها يدويًا بتقنية التطريز.
ويستخدم الحرفي تقنية تُعرف بـ«التفسير»، وهي حياكة خيوط بارزة فوق القماش لإبراز التفاصيل الدقيقة وإضفاء عمق وحيوية على التصميم، خاصة في المناظر الطبيعية.
وتتنوع الزخارف بين، عناصر مصرية قديمة مثل زهرة اللوتس، زخارف هندسية إسلامية، آيات قرآنية مكتوبة بخط الثلث، مناظر طبيعية ونباتية، حكايات شعبية من مصر وبلاد فارس وتركيا مثل جحا، مشاهد من الحياة اليومية كبائع العرقسوس وألعاب التحطيب.
ويذكر إبراهيم حلمي في كتابه «كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحج»، أن الفنان كان يختار خط الثلث لكتابة الأحزمة القرآنية، ويحيطها بزخارف نباتية متوازنة تمنح العمل تماثلًا بصريًا مميزًا.
- استخدامات متعددة عبر العصور
لم تقتصر الخيامية على كسوة الكعبة، بل دخلت في مظاهر الحياة المصرية المختلفة، منها، خيام وزينة شهر رمضان، وسرادقات العزاء والأفراح الشعبية، والموالد وموائد الرحمن، وتنورات راقصي التنورة وأزياء الدراويش، كسوة الجمال والدواب، الأعلام والبيارق الخاصة بالطرق الصوفية
وسُميت «البيارق» بهذا الاسم لأنها تُرفع على عصا تنتهي بحلية نحاسية تحمل لفظ الجلالة أو تأتي في شكل نجمة أو هلال، وترفع خلال احتفالات الطرق الصوفية تعبيرًا عن المحبة والولاء.
يؤكد الدكتور ريحان ضرورة الاهتمام بهذه الصناعة التراثية الفريدة من خلال، إنشاء ورش لتعليم الأجيال الجديدة، وتوفير الخامات اللازمة للصنّاع، وحل مشكلات أصحاب المهنة، واستثمارها سياحيًا بشكل أفضل
كما دعا إلى توثيق الخيامية وتسجيلها كتراث ثقافي غير مادي لدى منظمة اليونسكو، باعتبارها منتجًا ثقافيًا مصريًا إبداعيًا يستحق الحماية والدعم.
- تراث يُخاط بالإبرة.. ويُحفظ بالوعي
الخيامية ليست مجرد مهنة، بل ذاكرة وطن تُطرّز بالخيوط الملونة، وفي كل قطعة تُصنع داخل أزقة القاهرة القديمة، تستمر حكاية فن مصري أصيل، قاوم الزمن، وحمل اسم مصر إلى العالم.


«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







